هل كل مشروك مبروك؟

8

د. موضي عبدالعزيز الحمود

لنبتعد قليلاً عن أخبار السياسة، التي لم تعد سياسة بالمعنى الذي نعرفه، بل أصبحت ساحة يتسيّد فيها القوي، الذي ضرب أسسها الأخلاقية، وهَدم أركان دعائمها العالمية، واستباح سيادة وحرمة جيرانه في الدول الجنوبية مهدداً ومتوعداً، وأعوانه الدول الشرقية والغربية.. ولنقترب من دنيا الأعمال، لعل ما فيها يقل شراسةً عما يجري في عالم السياسة، ولنتابع ما يُستحدث في ساحة الشركات الكبرى، التي لا تألُو جهداً في تطوير أساليب أعمالها لمضاعفة أدائها، وللحفاظ على قدرات مواردها البشرية، وخاصة إداراتها العليا، ولذلك نجد بعضها يتبنّى الآن وبازدياد أسلوب المشاركة في الإدارة التنفيذية co-CEO.
وهو أسلوب يجد ترحيباً من العديد من الشركات، رغم حداثة العمل به، وذلك منذ بدأ في منتصف الألفينيات، حيث عملت به إحدى عشرة شركة في 2015، وليتضاعف العدد ويزداد سنوياً وفق إحصاءات 2024، بعد أن عملت به كبرى الشركات، وعلى رأسها نتفليكس، وأوراكل، وسبوت ڤاي، وكوم كاست وغيرها. وقد تبنت الشركات هذا الأسلوب، الذي يقضي بأن يتسلم وظيفة الإدارة التنفيذية للشركة مديران تنفيذيان في الوقت ذاته، ويحدد لكل منهما مجال في الإدارة وفق مؤهلاته ومكامن قوته، ويشتركان معاً، وبالمستوى الإداري نفسه، في إدارة أعمال الشركة. وقد بيّنت الدراسة، التي أجرتها «الشركة الاستشارية للقيادة»، أن نسبة «الاحتراق الوظيفي Burnout» للمديرين التنفيذيين المنفردين في الشركات الكبرى قد بلغت 56% في الأعوام الأخيرة، كما بيّنت الأداء المرتفع للشركات التي أخذت بأسلوب المشاركة – فإن عقلين مفكرين أفضل بالطبع من عقل مفكر واحد – كما أن هذا الأسلوب يتيح لكل مدير منهما وقتاً لمتابعة أمور حياته الشخصية والأسرية، ويطوّر مهاراته المهنية والعملية.

بشرى للنساء

ولعل أكثر من رحّب بهذا الأسلوب هنّ النساء المديرات التنفيذيات في الشركات، حيث ساعدهن هذا الأسلوب في العناية بشكل أفضل بحياتهن وواجباتهن العائلية، خاصة أن الدراسات الحديثة ـ ومنها ما أوضحته شركة «رسل رينولد للدراسات» ـ بينت أن 60% من المديرين التنفيذيين يقضون وقتاً قليلاً ومحدوداً مع أسرهم، وأن 32% من المديرات التنفيذيات يستقلن من مناصبهن كمديرات بعد الإنجاب. لذا، رحبت الكثير من النساء المديرات بهذا الأسلوب، الذي بدأ يحتل مساحة واضحة في الخريطة الإدارية للشركات، كونه يحافظ على سلامة وصحة ونشاط المديرين المتشاركين، ويساعد في تلبية اهتماماتهم الإنسانية والاجتماعية، كما يغذي الشركة بخبرات وأفكار متنوعة ومتزايدة، كما بيّنت نتائج أعمال الشركات، التي أخذت بهذا الأسلوب. ولا ندري، لعل ذلك يغيّر من نظرتنا إلى تعميم سوء المشاركة في الإدارة وفق مورثنا القاضي بأن: «نوخذين في المحمل* يطبّعونه**»، ويدعم موروثنا السائد بأن «كل مشروك مبروك».

* المحمل: السفينة.

** يطبّع: يغرق.

 

 

د. موضي عبدالعزيز الحمود

 

التعليقات معطلة.