هل يعود العرش إلى بغداد؟…

8

 

الشرق الأوسط يراجع أنظمته من طهران إلى العراق

 

لم يعد الحديث عن شكل الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط مجرد جدل فكري أو استعادة لصفحات من التاريخ. المنطقة تدخل اليوم مرحلة إعادة تشكيل عميقة، حيث تُطرح أسئلة كانت حتى وقت قريب من المحرمات السياسية. وبينما تتصاعد في واشنطن نقاشات حول مستقبل النظام في إيران وإمكانية إعادة رضا بهلوي إلى الواجهة، بدأ السؤال ذاته يطرق باب العراق: هل يمكن أن يعود النظام الملكي إلى بغداد؟

هذا السؤال لم يعد مجرد فكرة يرددها بعض المهتمين بالتاريخ السياسي، بل بدأ يظهر في دوائر النقاش الدولية. فقد أشار توم باراك، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق، في حديث لافت إلى أن أحد السيناريوهات التي يجري تداولها في بعض الأوساط هو احتمال قيام نظام ملكي في العراق بوصفه صيغة قد تساعد على إعادة الاستقرار إلى الدولة العراقية بعد سنوات طويلة من الاضطراب السياسي.

حين تسقط الجمهوريات

منذ سقوط النظام الملكي في العراق عام 1958، دخل البلد في سلسلة متصلة من الانقلابات العسكرية والصراعات السياسية. لم تستطع الجمهوريات المتعاقبة أن تبني نموذجاً مستقراً للحكم، بل تحولت الدولة إلى ساحة لصراعات السلطة والحروب الداخلية والخارجية.

ومع سقوط النظام السابق عام 2003، كان الأمل أن تفتح التجربة الديمقراطية باباً لبناء دولة حديثة. لكن الواقع كشف أن النظام السياسي الجديد ولد مثقلاً بالتوازنات الطائفية وبنظام محاصصة أضعف مؤسسات الدولة وجعل القرار الوطني عرضة للتجاذبات الداخلية والتأثيرات الخارجية.

وبعد أكثر من عقدين من التجربة السياسية الجديدة، ما يزال العراق يعاني من أزمة بنيوية عميقة: حكومات غير مستقرة، مؤسسات ضعيفة، وانقسام سياسي يكاد يتحول في كل أزمة إلى تهديد لوحدة الدولة نفسها.

حين كانت الدولة أكثر تماسكا

لم تكن الملكية العراقية نظاماً مثالياً، لكن التاريخ السياسي للعراق يظهر بوضوح أن تلك المرحلة كانت الأكثر استقراراً من حيث بنية الدولة ومؤسساتها.

في ظل النظام الملكي، امتلك العراق مؤسسات دولة واضحة، وإدارة حكومية منظمة، وجيشاً وطنياً موحداً. كما كانت الدولة قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية بقدر كبير من التوازن، ما منح العراق موقعاً مهماً في النظام الإقليمي آنذاك.

الأهم من ذلك أن الملكية كانت تشكل رمزاً سيادياً فوق الصراعات الحزبية، الأمر الذي ساهم في تخفيف الاحتقان السياسي والاجتماعي داخل البلاد.

لماذا يعود الحديث عن الملكية؟

عودة هذا النقاش اليوم لا تعني بالضرورة الحنين إلى الماضي، بل تعكس بحثاً عن صيغة سياسية قادرة على إخراج العراق من حالة الانسداد التي يعيشها نظامه السياسي.

في العديد من دول العالم، أثبتت الملكيات الدستورية قدرتها على تحقيق قدر من الاستقرار السياسي لأنها تفصل بين رمز الدولة الدائم وبين التنافس السياسي المتغير بين الأحزاب.

وفي بلد مثل العراق، حيث تتحول كل أزمة سياسية إلى صراع وجودي بين القوى المتنافسة، قد يوفر وجود مؤسسة سيادية محايدة نقطة توازن يمكن أن تحمي الدولة من الانهيار المتكرر.

من طهران إلى بغداد

النقاش الذي يجري اليوم حول احتمال عودة رضا بهلوي إلى المشهد الإيراني يعكس توجهاً أوسع في التفكير الغربي حول مستقبل أنظمة الحكم في الشرق الأوسط. فبعد عقود من الثورات والانقلابات، بات واضحاً أن كثيراً من النماذج الجمهورية في المنطقة لم تنجح في بناء دول مستقرة.

ومن هنا، لم يعد مستغرباً أن يظهر في النقاش السياسي سؤال كان يبدو مستحيلاً قبل سنوات: هل يمكن أن تعود الملكيات الدستورية كجزء من الحل في بعض دول المنطقة؟

العراق أمام لحظة الاختيار

العراق اليوم يقف أمام مفترق طرق حقيقي.

فإما الاستمرار في نموذج سياسي أثبت عجزه عن إنتاج دولة مستقرة، أو التفكير في مشروع وطني جديد يعيد بناء الدولة على أسس أكثر وضوحاً وتماسكاً.

الملكية، إذا جاءت في إطار دستوري حديث وبإرادة وطنية واضحة، قد لا تكون عودة إلى الماضي بقدر ما تكون محاولة لبناء مستقبل مختلف.

وفي لحظة تاريخية تعاد فيها صياغة خرائط النفوذ والأنظمة السياسية في الشرق الأوسط، قد يجد العراقيون أنفسهم أمام سؤال لم يكن مطروحاً بجدية منذ عقود:

هل يعود العرش إلى بغداد… كما يُطرح اليوم احتمال عودته إلى طهران؟

التعليقات معطلة.