لم يعد الحديث عن تشابه العالم اليوم مع مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى مجرد نقاش أكاديمي، بل تحول إلى تحذير استراتيجي يتردد في مراكز القرار الدولية. فتصاعد التوتر بين القوى الكبرى، وتسارع سباق التسلح، واتساع رقعة الصراعات الإقليمية، كلها مؤشرات تعيد تشكيل مشهد دولي شديد الهشاشة، قد يجعل أي أزمة محدودة شرارة لصراع واسع يصعب احتواؤه.
غير أن خطورة المرحلة الراهنة لا تكمن فقط في تشابهها مع الماضي، بل في أن العالم اليوم أكثر ترابطًا وأكثر قدرة على التدمير في آن واحد، فيما يقف الشرق الأوسط — والعراق تحديدًا — في قلب هذه التحولات بوصفه ساحة اختبار للتوازنات الدولية الجديدة.
عودة منطق الصراع بين القوى الكبرى
يشهد النظام الدولي تحولات عميقة تعكس انتقاله من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى تعددية قطبية متوترة. فقد تصاعد التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي، فيما تستمر المواجهة بين روسيا والغرب في صراع يعيد رسم حدود القوة والنفوذ في النظام الدولي.
هذا التحول يعيد إلى الأذهان أجواء ما قبل عام 1914، حين أدى التنافس بين الإمبراطوريات الكبرى إلى تشكيل تحالفات متقابلة وصراعات مفتوحة انتهت بحرب عالمية مدمرة.
سباق تسلح عالمي بلا سقف
كما يتسارع تطوير القدرات العسكرية بشكل غير مسبوق، في مجالات الصواريخ الاستراتيجية، والذكاء الاصطناعي العسكري، والحرب السيبرانية، وتقنيات الفضاء. ويعكس هذا السباق منطقًا تقليديًا في العلاقات الدولية يقوم على أن التفوق العسكري هو الضامن الأساسي للأمن، وهو المنطق ذاته الذي غذّى سباق التسلح قبل الحرب العالمية الأولى.
غير أن خطورة السباق الحالي تكمن في طبيعته التكنولوجية، حيث يمكن لخطأ تقني أو تقدير خاطئ أن يؤدي إلى نتائج كارثية خلال دقائق، لا خلال سنوات كما كان الحال سابقًا.
الشرق الأوسط ساحة اختبار للتوازنات الدولية
في هذا المشهد العالمي المتوتر، يبرز الشرق الأوسط بوصفه إحدى أكثر المناطق حساسية في الصراع الدولي، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتصادم مشاريع النفوذ الإقليمي.
ويحتل العراق موقعًا خاصًا في هذه المعادلة، إذ يمثل نقطة التقاء للصراعات الدولية والإقليمية، ومسرحًا للتنافس بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية على حد سواء. فهشاشة التوازنات الداخلية، وتداخل النفوذ الخارجي، وتحول البلاد إلى ساحة صراع غير مباشر، تجعل أي تصعيد داخلي أو إقليمي قادرًا على إنتاج تداعيات تتجاوز حدوده الجغرافية.
كما تعكس الأزمات المستمرة في المنطقة — من الصراعات المسلحة إلى التوترات في الممرات البحرية الحيوية — حالة من الاحتقان الاستراتيجي تشبه إلى حد كبير البيئة الدولية التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى، حيث أدت الصراعات الإقليمية المحدودة إلى انفجار مواجهة عالمية شاملة.
ردع يمنع الحرب… أم يؤجلها؟
ورغم هذه المؤشرات المقلقة، تختلف البيئة الدولية المعاصرة في عناصر جوهرية عن الماضي. فالردع النووي يفرض توازنًا قسريًا يجعل الحرب الشاملة خيارًا عالي الكلفة على جميع الأطراف، كما أن التشابك الاقتصادي العالمي يربط استقرار الدول الكبرى ببعضها بشكل غير مسبوق.
لكن هذه العوامل قد لا تمنع الصراع بقدر ما تعيد تشكيله في صورة حروب غير مباشرة وصراعات بالوكالة، وهو نمط يزداد وضوحًا في مناطق مثل الشرق الأوسط.
نظام عالمي بلا توازن مستقر
المعضلة الأساسية التي يواجهها العالم اليوم ليست حتمية الحرب، بل غياب توازن دولي مستقر قادر على إدارة التنافس بين القوى الكبرى. فالنظام الدولي يعيش مرحلة انتقالية مضطربة، تتآكل فيها قواعد النظام القديم دون أن تتشكل قواعد جديدة واضحة.
وفي مثل هذه المراحل التاريخية، تصبح الأخطاء الاستراتيجية وسوء التقدير عوامل حاسمة في إشعال الصراعات الكبرى، كما أثبتت تجارب القرن العشرين.
العالم أمام اختبار وجودي
إن أخطر ما في المرحلة الراهنة أن العالم يمتلك اليوم قدرة تدميرية غير مسبوقة، في وقت تتزايد فيه بؤر التوتر وتتعقد فيه الحسابات الاستراتيجية. وبينما تسعى القوى الكبرى إلى إدارة صراعاتها دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، يبقى خطر الانفجار قائمًا في ظل نظام دولي يفتقر إلى توازن مستقر.
ويبقى السؤال الحاسم: هل تتعلم القوى الدولية من دروس التاريخ، أم أن العالم يقترب من لحظة تاريخية جديدة تعيد إنتاج كارثة 1914 بصيغة أكثر خطورة؟

