هل يقود الذكاء الاصطناعي مهمات الفضاء؟

3

تجربة عالمية فريدة لتحكّمه بشكل مستقل وكامل بقمر اصطناعي في المدار

مع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بدأت هذه التكنولوجيا تعيد تشكيل مستقبل الفضاء بشكل جذري. ولم يعد الأمر مقتصراً على تحليل البيانات أو دعم العمليات الأرضية، بل أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على اتخاذ القرارات بشكل مستقل، والتعلم من التجارب، والتكيف مع الظروف غير المتوقعة في البيئات المعقدة والصعبة مثل الفضاء الخارجي.

تجربة ألمانية فريدة

في هذا السياق، نجح فريق بحثي من جامعة «فورتسبورغ» الألمانية في تجربة فريدة من نوعها على مستوى العالم، حيث تحكم الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل وكامل بقمر اصطناعي في المدار، مما يوضح الإمكانات الكبيرة للأنظمة الفضائية الذكية والقادرة على التعلم الذاتي.

وأثبتت التجربة نجاح الذكاء الاصطناعي في قيادة القمر الاصطناعي (InnoCube) وتنفيذ مناورات دقيقة دون تدخل بشري، مما يفتح آفاقاً جديدة نحو أقمار اصطناعية ذكية ومستقلة قادرة على التكيف مع الظروف المتغيرة والمهام الفضائية المعقدة، ويشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون المحرك الرئيسي لمستقبل استكشاف الفضاء.

 

نموذج اختبار للقمر (InnoCube) داخل حجرة حرارية مفرغة لمحاكاة ظروف الفضاء (جامعة فورتسبورغ)
نموذج اختبار للقمر (InnoCube) داخل حجرة حرارية مفرغة لمحاكاة ظروف الفضاء (جامعة فورتسبورغ)

 

تم تطوير القمر الاصطناعي ضمن مشروع مشترك بين جامعتي فورتسبورغ وبرلين التقنية، وهو قمر صغير من نوع (3U CubeSat) بحجم يشبه صندوق الحذاء ووزن يبلغ نحو 4.5 كلغم. وقد أُطلق على متن صاروخ «سبيس إكس» في 14 يناير (كانون الثاني) 2025، ومن المتوقع أن تدوم مهمته سنة على الأقل عند ارتفاع 500 كلم.

خلال الاختبارات، نفذ نظام الذكاء الاصطناعي الذي طوره الباحثون مناورة كاملة بين الساعة 11:40 و11:49 صباحاً بتوقيت وسط أوروبا في 30 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، لتغيير اتجاه القمر بدقة عبر التحكم في عجلات الموازنة. وجرت المناورة دون أخطاء، وتم تكرارها بالكامل عدة مرات لاحقة، محققةً التحكم الآمن والدقيق في جميع الاختبارات.

عادةً ما تعتمد أنظمة التحكم الفضائي على خوارزميات ثابتة تتطلب ضبطاً يدوياً طويلاً. أما في مشروع (LeLaR)، الممول من الوزارة الاتحادية الألمانية للشؤون الاقتصادية والطاقة الألمانية عبر المركز الألماني للطيران والفضاء، فقد تم استخدام التعلم المعزز العميق، حيث تتعلم الشبكة العصبية استراتيجية التحكم بنفسها ضمن نموذج افتراضي، مما يوفر إمكانية تحقيق تحكم أسرع وأكثر مرونة، وكذلك قدرة أفضل على مواجهة العوامل غير المتوقعة في المدار، حسبما نشره الفريق على موقع جامعة «فورتسبورغ» يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

 

نموذج للقمر الاصطناعي (InnoCube) (جامعة فورتسبورغ)
نموذج للقمر الاصطناعي (InnoCube) (جامعة فورتسبورغ)

 

اختبارات ناجحة

يقول الدكتور كيريل دجيبكو، الباحث المشارك من جامعة «فورتسبورغ»: «يُعد هذا الإنجاز أول تجربة عملية ينجح فيها نظام قائم على الذكاء الاصطناعي في التحكم بشكل مستقل في اتجاه القمر الاصطناعي في المدار، حيث تم تحويله من موقفه الأوّلي إلى اتجاه مستهدف بدقة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «تكمن أهمية هذا الإنجاز في التغلب على ما تُعرف بـ (فجوة المحاكاة إلى الواقع)، (Sim2Real gap)؛ وهو التحدي المتمثل في نقل نماذج الذكاء الاصطناعي من ظروف المحاكاة على الأرض إلى الظروف الواقعية في الفضاء».

وعن الفرق بين أنظمة التحكم التقليدية والنظام الجديد، أوضح دجيبكو: «تعتمد أنظمة التحكم التقليدية على خوارزميات تتطلب نمذجة دقيقة لسلوك النظام، وغالباً ما تحتاج إلى أشهر من الضبط اليدوي بواسطة خبراء. وأي انحراف عن الظروف المتوقعة أو تغييرات في البيئة قد يقلل الأداء أو يستلزم تصحيحاً مكلفاً من الأرض. في المقابل، تمتلك الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي القدرة على التعلم من خبرات محاكاة واسعة، مما يتيح ضبطاً تلقائياً وتحكماً أفضل في مجموعة واسعة من الانحرافات بوصفها جزءاً من عملية التدريب».

 

نجح في تنفيذ مناورات دقيقة دون تدخل بشري

 

 

وأشار إلى أن «نجاح انتقال النموذج من المحاكاة إلى الواقع يمكن أن يؤدي إلى سرعة أكبر في النشر، وتكلفة أقل، وقدرة أفضل على التعامل مع السلوكيات صعبة النمذجة. أما في البعثات الفضائية العميقة فتزداد أهمية الاستقلالية، حيث يمكن أن تستغرق الاتصالات مع الأرض ساعات أو أياماً ويصبح التدخل البشري الفوري مستحيلاً».

ومستقبلاً «يمكن للمركبات الفضائية تصحيح مسارها بنفسها والبقاء مستقلة، مع القدرة على التكيف مع انحرافات أكبر عن السلوك المتوقع مقارنةً بما كان ممكناً سابقاً»، وفق دجيبكو.

استخدامات متعددة

تتعدد استخدامات الذكاء الاصطناعي الحالية في مجال الفضاء، وأبرزها تمكين المركبات والأقمار الاصطناعية من العمل بشكل ذاتي عبر أنظمة الملاحة واتخاذ القرار دون تدخل بشري مباشر، مثل التقنيات التي تعتمدها «ناسا» في عرباتها الجوالة وأنظمة الاستكشاف الذاتي. كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين تخطيط المهمات الفضائية وإدارة الموارد وجدولة العمليات، إلى جانب تحليل البيانات الضخمة القادمة من الأقمار والتلسكوبات لرصد الكواكب والتغيرات المناخية بدقة أعلى.

ويُستخدم الذكاء الاصطناعي أيضاً في الصيانة التنبؤية ومراقبة الحالة التشغيلية للمركبات الفضائية للتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، إضافةً إلى تطوير أنظمة المعالجة الذكية على متن الأقمار الصغيرة لتسريع اتخاذ القرار في المدار، مما يمهد لجيل جديد من الأنظمة القادرة على التعلم والتكيف في البيئات الفضائية المعقدة.

التعليقات معطلة.