هل ينتقل نهج “آيس” إلى بريطانيا؟

6







كان من الشائع في الماضي القول إنه عندما تعطس الولايات المتحدة يصاب العالم بالزكام أما اليوم فيبدو أن المملكة المتحدة تعاني نوبة حادة من إنفلونزا ترمب

فيكتوريا ريتشاردز


بعض السياسيين من اليمين البريطاني دعموا جهود “إدارة الهجرة والجمارك” الأميركية على رغم الجدل حولها في الولايات المتحدة (أ ف ب)

ملخص
تصاعد العنف المرتبط بإنفاذ الهجرة في الولايات المتحدة، وتراجعُ الحريات وقمع الاحتجاجات في بريطانيا، يكشفان انحرافاً خطراً نحو سياسات قمعية تهدد الحقوق المدنية وتثير مخاوف حقيقية من تكرار النموذج الأميركي داخل المملكة المتحدة.

بعد ساعات فقط من مقتل الممرض الأميركي العامل في قسم العناية المركزة أليكس بريتي على يد عناصر “إدارة الهجرة والجمارك” خلال تظاهرة في مدينة مينيابوليس، سارع عضوان في المجلس المحلي لمقاطعة ليسترشير البريطانية، ينتميان إلى حزب “ريفورم”، إلى إعلان دعمهما لما وصفاه بـ”أبطال” ترمب من العملاء الفيدراليين. جاء ذلك من خلال إعادة نشرهما على منصة “إكس” صورة ملصق أزرق مثير للجدل يحمل عبارة: “أنا أؤيد إدارة الهجرة والجمارك” I stand with ICE، كانت قد أعدته وزارة الأمن الداخلي الأميركية.

وكتب مايكل ج سكوايرز، أحد عضوي مجلس مقاطعة ليسترشير، تعليقاً على الصورة التي أعاد نشرها جاء فيه: “احتمال تدخل ’إدارة الهجرة والجمارك الأميركية‘ مؤكد”. وقد بدا لاحقاً أنه قام بحذف هذا المنشور (على رغم أن لقطات شاشة عنه انتشرت على نطاق واسع عبر الإنترنت)، وكأنه – بحسب ما أشار إليه أحد المعلقين – قد أدرك أنه قال شيئاً بغيضاً، وشعر بالخجل منه (إلى حد ما)”.

إلا أن سكوايرز لم يتردد في إعادة نشر تغريدة لـ”وزير الحرب” الأميركي بيت هيغسيث، الذي وصف المحتجين في ولاية مينيسوتا بأنهم “مجانين”، وكتب يقول: “الحمد لله على الوطنيين في ’إدارة الهجرة والجمارك‘. نحن معكم مئة في المئة. أنتم تنقذون البلاد. عارٌ على قيادة مينيسوتا – وعلى المجانين في الشوارع”. واختتم هيغسيث تغريدته بعبارة: ICE > MN [في إشارة إلى أنه يضع “وكالة الهجرة والجمارك” قبل ولاية مينيسوتا].

مايكل سكوايرز لم يكن الوحيد الذي أظهر دعماً واضحاً للعناصر الملثمين من “إدارة الهجرة والجمارك” الأميركية، الذين كانوا يرتدون ملابس سوداء عندما أطلقوا النار على اثنين من المتظاهرين وقتلوهما من مسافة قريبة. فقد انضم إليه جوزيف بوام (وهو عضوٌ آخر في حزب “ريفورم” في ويتويك مقاطعة ليسترشير، كان قد أقيل سابقاً من منصب نائب رئيس المجلس المحلي للمقاطعة، بعدما اعتبره رئيسه “غير قادر على أداء مهامه”). بوام نشر بدوره على الإنترنت صورة “ميم” تحمل شعار “أنا أؤيد ’إدارة الهجرة والجمارك‘”، قبل أن يُتبعها بتغريدة استفزازية قال فيها: “إلى أولئك الذين لا يدعمون ’إدارة الهجرة والجمارك‘ هل تقترحون أن تتوقف المملكة المتحدة عن تطبيق قانونها الخاص بالهجرة؟”.



بريطانيا تستنسخ تجربة “أف بي آي” بقوة شرطية جديدة
إن دعم أعضاء حزب “ريفورم” للعنف الذي تمارسه “إدارة الهجرة والجمارك” الأميركية – حتى بعد الإدانة العالمية لأعمال القتل – لا يفاجئني على الإطلاق. ففي النهاية، حتى قيادات الحزب نفسه تتبنى سياسات صريحة مناهضة للهجرة، وتتعهد بترحيل ليس فقط المهاجرين “غير الشرعيين”، بل حتى المهاجرين الذين يعيشون بصورة قانونية في بريطانيا. فزعيم حزب “ريفورم” نايجل فاراج كان قد تحدث صراحة عن خططه لإلغاء وضع “الإقامة غير محددة المدة” Indefinite Leave to Remain (ILR) والتخلص من مئات الآلاف من المقيمين.

وفي أغسطس (آب) الماضي (أثناء الكشف عن “عملية استعادة العدالة” Operation Restoring Justice التي أطلقها حزبه في مدينة أكسفورد)، أعلن فاراج عزمه على إلغاء جميع التزامات المملكة المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان. وذهب إلى حد التعبير عن استعداده لدفع أموال لأنظمة استبدادية مثل “طالبان” (في أفغانستان) كي تستعيد طالبي اللجوء في بريطانيا. وتفاخر بأنه سيقوم بترحيل “أي شخص على الإطلاق” – بما في ذلك النساء والأطفال – الذين يصلون إلى المملكة المتحدة على متن قوارب صغيرة. مع ذلك، لا يزال فاراج يحظى بشعبية مرتفعة في استطلاعات الرأي، بينما يتراجع حزب “العمال” إلى المركز الثالث بفارق كبير.

لذا، إذا كنتم مثلي تشعرون بالصدمة والاستياء والغثيان مما يحدث في الوقت الراهن في الولايات المتحدة، فاعلموا أنكم لستم وحدكم. لكنني سأذهب أبعد من ذلك: فأنا أتابع هذه الأحداث وهي تتكشف أمامي، وأشعر بخوف حقيقي من احتمال أن تتكرر في بريطانيا أيضاً.

فالإثنين الماضي، أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود عن خطط لإلغاء ما تُعرف بـ”حوادث الجرائم غير المرتبطة بالكراهية” Non-Hate Crime Incidents” (NCHIs) – وهي نوع من المراقبة الشرطية التي تتعامل مع التهديدات العنصرية والمعادية للمثليين والمتحولين جنسياً، سواء عبر شبكة الإنترنت أو خارجها – وذلك ضمن ما تصفه الحكومة بخطوة إصلاحية “طبيعية” لعمل الشرطة.

ربما ينبغي ألا نُفاجأ بتراجع وزيرة الداخلية محمود عن موقفها في ما يتعلق بمكافحة جرائم الكراهية. ففي النتيجة، جاء ذلك بالتزامن مع إصدار الحكومة الإثنين الماضي “ورقة بيضاء” (وثيقة حكومية توضح سياستها)، تقترح فيها إنشاء جهاز شرطة وطنياً جديداً للتعامل مع التهديدات “المعقدة” مثل الإرهاب والجريمة المنظمة والاحتيال. هذه الخطة ستؤدي إلى “خفض كبير” في عدد أفراد قوى الشرطة في كل من إنجلترا وويلز، فيما ستُترك مهمة التعامل مع أي “سلوكيات معادية للمجتمع” لعناصر الشرطة المحلية. كل ذلك يعكس مدى قلة اهتمام هذه الحكومة بحماية مواطنيها من أشكال التعصب والكراهية هذه، التي تهدم حياة الناس وتقوض نسيج المجتمع.

لكن المسألة لم تأتِ من فراغ. ففي الأعوام الأخيرة، شهدنا تراجعاً تدرجياً وخانقاً للحريات المدنية، من خلال تشدد أمني مفرط وحملة قمع على حقنا في الاحتجاج. وبفضل “قانون الشرطة والجريمة والأحكام والمحاكم للعام 2022” Police, Crime, Sentencing and Courts Act of 2022، بات في إمكان السلطات المعنية الآن فرض غرامة تصل إلى 2500 جنيه استرليني (3450 دولاراً أميركياً)، أو السجن لمدة ستة أشهر، إذا ما رأت الشرطة أن صوتنا أثناء الاحتجاج مرتفع جداً، وذلك بموجب تعريف “مؤشر الضوضاء” Noise Trigger. وكانت الحكومة السابقة التابعة لحزب “المحافظين” قد فرضت غرامة مقدارها 1000 جنيه استرليني (1380 دولاراً)، أو السجن شهراً، لمن يرتدي قناعاً في مسيرة احتجاجية.

حتى الخطاب السياسي عن حقوقنا الديمقراطية تغير جذرياً خلال الأعوام الأخيرة: فقد بدأ رئيس الوزراء السابق ريشي سوناك قبل نحو عامين باستخدام عبارات مثل “حكم الغوغاء” Mob Rule، وأصدر تعليمات لأجهزة الشرطة البريطانية بالتشدد في التعامل مع الاحتجاجات. أما وزيرة الداخلية السابقة سويلا برافرمان (التي انشقت عن حزب “المحافظين” وانضمت اليوم الإثنين الماضي إلى حزب “ريفورم”)، فقد اتخذت خطوات لمنح الوزراء صلاحيات “حظر الاحتجاجات” بالكامل، ووصفت التظاهرات المؤيدة للفلسطينيين بأنها “مسيرات كراهية”. وفي العام الماضي، صنفت حركة “فلسطين أكشن” Palestine Action كجماعة إرهابية محظورة في المملكة المتحدة – مما أدى إلى اعتقال آلاف الأشخاص، بمَن فيهم كبار في السن وذوو إعاقات، كانوا يرفعون لافتات سلمية لدعم غزة.

كان من الشائع في الماضي – كما يقول مثل قديم – أنه “عندما تعطس الولايات المتحدة يُصاب العالم بالزكام”. أما اليوم، فيبدو أن المملكة المتحدة، هي طريحة الفراش، وتعاني نوبة حادة من إنفلونزا ترمب. الوضع محبط في أقل تقدير، لكنه أيضاً خطر ومرعب، ولا سيما النسبة إلينا كآباء. ففي عطلة نهاية الأسبوع الماضي، استيقظ ابني البالغ من العمر تسع سنوات، وأخبرني بأنه رأى “حلماً سيئاً” مفاده أن عناصر “إدارة الهجرة والجمارك” الأميركية قد أتوا إلى مدرسته لاعتقاله.

ما أود قوله هو أن القسوة التي تمارسها “إدارة الهجرة والجمارك” على المجتمعات الأميركية، أدت إلى انخفاض حاد في معدلات التأييد لسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بين الناخبين الذين صوتوا لمصلحتها في الأصل. لقد كانت كارثة سياسية حقيقية. فقد تراجعت شعبية الرئيس في تعامله مع قضية الهجرة بمقدار 29 نقطة صافية، وذلك وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة “راسموسن” Rasmussen – وهي أحد مصادر تقصي اتجاهات الرأي العام التي تميل عادة إلى دعم دونالد ترمب، مما يشير إلى أن رغبة الناخبين في تأمين حدود البلاد قد تحولت إلى اشمئزاز من الوسائل التي اختيرت لتحقيق هذه الغاية. لقد وعد ترمب بما سيفعله، وانتخبه الناس ليقوم بذلك، بعبارة أخرى: احذر مما تتمناه.

في مثل هذه الظروف يُطرح السؤال: ما الذي يمكن أن يمنحنا شعوراً بالأمل؟ بالنسبة إليّ الجواب بسيط: لن أذهب إلى الولايات المتحدة في أي وقت قريب (هذا إن سافرت إليها أصلاً)، ولن أشتري أيضاً أي منتجات أميركية. في الواقع، أنا أخطط الآن للانضمام إلى مقاطعة واسعة للمنتجات الأميركية، كنوع من الاحتجاج على الرسوم الجمركية الأخيرة التي أعلنها ترمب. لماذا؟ لأن شعار “أميركا أولاً” لا يقل سوءاً عن شعار “بريطانيا أولاً”، وهو مضر بالقدر نفسه.

© The Independent

التعليقات معطلة.