واشنطن تخلع البذلة العسكرية في سوريا بعد عقد من الحرب

1

أحد العوامل التي دفعت أميركا لاتخاذ قرارها وصول القوات الحكومية إلى شرق الفرات عبر عملية عسكرية واسعة
مصطفى رستم صحافي
بدأت الإدارة الأميركية بالاتجاه نحو تخفيف أعداد قواتها في سوريا بعد إغلاق قاعدتين عسكريتين منها “القرية الخضراء” و”موقع الفرات” (أ ب)
ملخص
يرجح مراقبون أن الانسحاب الذي يأتي على عجل لا يرتبط فقط بإفساح المجال للقوات الحكومية السورية من التمدد داخل الرقعة الجديدة التي انضمت إلى نفوذ حكومة دمشق بعد 10 أعوام من الحرب، بل بعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وتصاعد الحديث عن حرب قادمة بسبب برنامج طهران النووي.
يدور الحديث عن خطط أميركية لسحب جميع قواتها العسكرية الموجودة على الأرض السورية، والبالغة 1000 جندي خلال الأشهر القليلة المقبلة، ويأتي هذا القرار عقب دراسة وتقييم للواقع الميداني بعد التطورات الأخيرة، سواء سقوط نظام بشار الأسد مع وصول سلطات جديدة إلى سوريا أو تحرك القوات الحكومية أخيراً نحو الشمال الشرقي.
إخلاء القواعد
تمكن الجيش السوري من انتزاع أجزاء واسعة في الجزيرة والفرات وبسط سيطرته على أراضٍ واسعة وغنية بالبترول والنفط، إضافة إلى أنها تعد سلة سوريا الغذائية بعدما كانت خاضعة لنفوذ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي كان لها دور أساس في مواجهة أكثر التنظيمات المتطرفة خطورة “داعش” منذ عام 2014، بينما تنظر الإدارة الأميركية إلى انتهاء المهمة الأساسية للقوات الأميركية بإضعاف التنظيم المتشدد.
وتسلمت وزارة الدفاع في الحكومة السورية قاعدة “الشدادي”، وهي من أبرز النقاط الاستراتيجية في منطقة الجزيرة السورية، حيث تبرز أهميتها من موقعها الجغرافي الذي يربط بين محافظتي الحسكة ودير الزور، وسبقها بأيام إخلاء القوات الأميركية قاعدة “التنف” التي تقع قرابة 24 كيلومتراً من جهة الغرب من معبر التنف الحدودي، وهي قاعدة عسكرية تتبع للتحالف الدولي الذي يتزعمه الولايات المتحدة الأميركية، وأُنشئت في عام 2014 بهدف محاربة “داعش”.
4.jpg
جاء الحضور الأميركي في سوريا بعد اندلاع الثورة ضد نظام الأسد عام 2011 (اندبندنت عربية)
تخفيف الأخطار
إزاء هذا يرجح مراقبون أن الانسحاب الذي يأتي على عجل لا يرتبط فقط بإفساح المجال للقوات الحكومية السورية من التمدد داخل الرقعة الجديدة التي انضمت إلى نفوذ حكومة دمشق بعد 10 أعوام من الحرب، بل بعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وتصاعد الحديث عن حرب قادمة بسبب برنامج طهران النووي.
ولفت الانتباه عضو نادي الصحافة في واشنطن ورئيس مركز “ريكونسنس” عبدالعزيز العنجري في حديثه لـ”اندبندنت عربية” إلى الهدف من الانسحاب الأميركي وما يندرج من تقليل كلفة الانخراط في ملف سوري معقد، وتخفيف الأخطار المرتبطة بوجود الولايات المتحدة هناك، خصوصاً في ظل تزايد المخاوف من مواجهة أوسع مع إيران في المرحلة المقبلة، وفي الوقت نفسه قد تكون هذه الخطوة إشارة إلى أن الإدارة السورية قادرة على ملء جزء من الفراغ الأميركي عسكرياً في نطاقات محددة. وأضاف “هناك ميل أميركي للاعتماد على السلطة السورية الجديدة وتحميلها مسؤوليات تفوق طاقتها، في ظل دعم سياسي أكثر منه دعماً عملياً، وشح تمويلي لافت من الدول الداعمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وإذا لم يقرن الانتقال بمعايير واضحة وخطة تمويل وقدرات تنفيذية (أمن، حدود، احتجاز، خدمات)، فستزداد احتمالات الفراغ والفوضى بدل الاستقرار”.
reuters_.jpg
مركبة عسكرية أميركية على طريق بشمال شرقي سوريا (رويترز)​​​​​​​
الفراغ والثقة المفرطة
“لا بد من الإقرار بأن السلطة الانتقالية تحاول تقديم نفسها بمظهر براغماتي”، هكذا يختصر رئيس مركز “ريكونسنس” الواقع السياسي للسلطة الجديدة، لكن يربط نجاحها بأدوات وقدرات غير متوافرة تلقائياً، إضافة إلى أن ملف الاحتجاز ومخيم الهول يظل من أخطر الملفات، لأن أي ارتباك أو ضعف في الضبط أو النقل والإدارة قد يفتح الباب لتفلت عناصر متطرفة أو لإعادة تنشيط شبكات التجنيد داخل بيئات فقيرة ومهمشة.
في الأثناء يشرح العنجري في معرض رده حول استفساراتنا المتعلقة بانعكاسات الانسحاب، ولا سيما ما سيحدثه الفراغ الذي ستتركه أميركا، معتبراً أن التسليم السريع والثقة المفرطة بقدرة السلطة في دمشق قد يحملان “أخطاراً حقيقية”، حسب وصفه، فالإدارة لا تزال في طور انتقالي، ومسؤولياتها واسعة واحتياجاتها أكبر من مواردها الحالية.
في الوقت ذاته يعتقد أن هناك ضعفاً في القدرة الإدارية، وتباطؤاً اقتصادياً ضاغطاً اجتماعياً، مع تآكل في الثقة العامة بسبب غياب الشفافية، وشكاوى متزايدة من عودة أنماط محسوبية وشللية في إدارة الحكم، وهذا المزيج قد يرفع احتمالات انفجار داخلي، أو على الأقل اتساع الغضب الشعبي، ومعه خطر تصاعد الطائفية وخطاب الكراهية وتراجع الأمن.
1.jpg
تسلمت سوريا قاعدة “الشدادي”، وسبقها بأيام إخلاء القوات الأميركية قاعدة “التنف” (اندبندنت عربية)
أخطر الملفات
من أحد العوامل التي دفعت واشنطن باتخاذ قرار الانسحاب العسكري وصول القوات الحكومية إلى شرق الفرات عبر عملية عسكرية واسعة شملت مناطق ظلت خاضعة لنفوذ قوات تابعة لحماية الشعب الكردية وقوات سوريا الديمقراطية.
وبدأت قوات دمشق بشن عملية من حيي “الشيخ مقصود” و”الأشرفية” في مدينة حلب إلى “دير حافر” في ريف المدينة الشرقي، وصولاً إلى “الطبقة” و”الرقة”، والتوصل في الـ30 من يناير (كانون الثاني) الماضي من العام الحالي 2026 إلى اتفاق بين دمشق و”قسد” لإنهاء حالة الانقسام وتأسيس مرحلة جديدة من الاندماج، وهو اتفاق مكمل لاتفاق آخر سابق في الـ18 من يناير من الشهر ذاته.
القوات الأميركية في سوريا: إلى أين؟
في المقابل لا تبدو فرص عودة النفوذ الإيراني إلى سوريا كبيرة، في حين يرى العنجري أن الخطر الأكبر قد يكون تلك الفوضى اللاحقة لأي ضربة، وما تخلقه من فراغات وتوترات في الإقليم، وأردف “بما في ذلك احتمال توظيف اصطفافات سنية – شيعية داخل العراق عبر تداخل فصائل وعشائر وشبكات عابرة للحدود، وهذا يبقى سيناريو مخاطر لا حتمية، لكنه سيناريو مكلف إذا غاب الضبط السياسي والأمني”.
وجاء الحضور الأميركي في سوريا بعد اندلاع الثورة ضد نظام الأسد عام 2011، وتحول الحراك السلمي إلى نزاع مسلح، وشاركت في إنشاء التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “داعش”، وبالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية (تضم وحدات حماية الشعب الكردية وفصائل عربية ومن مكونات أخرى)، حيث تمكنت بدعم لوجيستي وغطاء جوي أميركي من إسقاط التنظيم، ومن بعدها تحولت “قسد” خلال عقد الحرب المنصرم إلى شريك موثوق ويمتد أبعاد الحضور الأميركي إلى استخباراتي وأمني.
اقتصاد ما بعد الحرب
في غضون ذلك تحاول واشنطن نزع اللباس العسكري عنها في سوريا بعدما بات الطريق أمامها ممهداً لإجراء صفقات اقتصادية، وعلاقات سياسية مع الدولة الجديدة بعد إعادة العلاقات الدبلوماسية وإنهاء القطيعة التي امتدت لعقود طويلة، وخطت دمشق أولى خطواتها في طريق التنقيب عن النفط في البحر الأبيض المتوسط، معتمدة على واشنطن في تعزيز ودعم قطاع الطاقة.
ووقعت حكومة دمشق على مذكرة تفاهم مع شركتي “شيفرون” الأميركية، و”باور إنترناشيونال القابضة” القطرية للتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في المياه الإقليمية السورية، وحضر مراسم التوقيع المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم براك، الذي قال في تصريحات له على هامش التوقيع: “روح الشعب السوري التي لا تقهر وموارده الهائلة تسهم معاً في بناء مستقبل مزدهر وشامل ومتجدد”.
وبدأت الإدارة الأميركية بالاتجاه نحو تخفيف أعداد قواتها في سوريا بعد إغلاق قاعدتين عسكريتين منها “القرية الخضراء” و”موقع الفرات”، مع تقليص حضورها في نصف العام الماضي.
كل ذلك يأتي وسط تقارب سياسي واسع بين دمشق ونيويورك، تكلل باستضافة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض في العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في حدث قلب كل الموازين، بخاصة أن الشرع، الذي كان حتى وقت قريب، قبل سقوط النظام في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) من عام 2024، مدرجاً على قوائم الإرهاب، وأخطر المطلوبين للولايات المتحدة، وخصصت وزارة الخزانة الأميركية حينها 10 ملايين دولار لمن يُدلي بأية معلومات عنه.
المزيد عن: الولايات المتحدة سوريا

التعليقات معطلة.