​عندما يتحوّل الأمل إلى انكسار: 2023 وأد أحلام السّوريين

7

طائرة مساعدات اماراتية الى سوريا

طائرة مساعدات اماراتية الى سوريا

لم يكن أشد المتفائلين بالواقع السوري خلال 12 عاماً من الحرب يتوقع أن تحط في مطار دمشق الدولي خلال شهر شباط (فبراير) من عام 2023، طائرة سعودية خاصةً، أو خليجية وعربية عامةً، فكيف بطائرات دولية حطت أيضاً وقتذاك. لم تكن المناسبة التي حطت بها الطائرات تلك محمولةً على خير ضرب البلاد، ففي وقت كانت تلامس عجلات الطائرات أرضية مدرجات مطارات حلب ودمشق واللاذقية، كانت نسوة ثكالى يبكين على أنقاض منازلهنّ التي دمرها الزلزال. أنقاضٌ ينتظر العالقون تحتها جهود الأحياء فوقها لإنقاذهم، وصوت البكاء يشتد من حولهم مع تكاتف الجهود العربية والمحلية في العمل كخلية نحل، بعدما كانت فرق المتطوعين من الصليب الأحمر اللبناني وغيره أول الواصلين براً. زلزال السادس من شباط بكلّ ما حمله من مآسٍ لعشرات ألوف العوائل من إدلب إلى حماه، مروراً بحلب والساحل السوري، مثّل بارقة الأمل السياسي المنتظر لكسر الجمود تجاه دمشق والمبادرة نحوها ولو تحت الغطاء الإنساني الذي مهّد لدروب سياسية تكللت لاحقاً بزيارات عالية المستوى.
البدايةينظر اليوم إلى الزلزال المدمر على أنّه الورقة التي مهدت للانفتاح على دمشق وتقديم المبادرة العربية اللاحقة التي سميت “خطوة بخطوة”، والتي أخذت بدمشق نحو قمة الجامعة العربية في جدة (أيار/مايو 2023)، بعد سلسلة اجتماعات عربية عقدت في الأردن ومصر ولعبت فيها دول عربية أخرى دوراً محورياً في رأب الصدع، وعلى رأسها لبنان والإمارات والعراق وغيرها، وكل ذاك مشفوع برغبة جماعية في المضي قدماً في إيجاد حلٍّ سياسي لـ”مأساة القرن” التي تشهدها سوريا. فجأةً وجد السوري نفسه حاضراً بين أقرانه العرب بعد قطيعة دامت لعقد ويزيد، ووجد نفسه مدعواً إلى الاجتماعات الكبرى وشريكاً فيها وفي قراراتها ونتائجها وجدول أعمالها، بالضبط كما كانت الحال قبل 2011، وذاك بحدّ ذاته شكل نقطة غير مفهومة لناحية سرعة إتمامها بعد حرب ضروس ظلّت سوريا فيها حبيسة نقطة النفط المنتظرة في ظلّ عقوبات دولية صارمة شاركت الدول العربية في سياقها العام. دغدغ التفاؤل والأمل عقول السوريين الذين وجدوا أنفسهم من جديد محور نشرات الأخبار والصور المتواترة من الاجتماعات والقمة العربية وكأنّ لسان حالهم يقول: “يا الله!.. أيعقل أن يصير الحلم حقيقةً بعد كلّ تلك العجاف؟”. 

طائرة مساعدات سعودية
الحقّ بالحلميمكن تلخيص عام 2023 بنصفين، أولهما حمل أملاً للسوريين بالانفراج وانتهاء أزمتهم والخروج من عنق الزجاجة، والنصف الآخر هو تحطم الأمل بعدما “وصلت اللقمة للفمّ” على ما يقول المثل الشعبي. “النهار العربي” التقى أشخاصاً ينتمون إلى شرائح متنوعة من المجتمع السوري للحديث عن “الخضات” الهائلة التي ألمّت بهم في عام واحد، وكيف تنقلت بهم من الأمل إلى اليأس. يقول بروفسور في اللغة الفرنسية لـ”النهار العربي”: “ما حدث بسرعته المفاجئة كان صادماً، لم يكن يمكن للسوري أن يصدق أنّ كل ذلك حصل في أيام وأسابيع، وأنّ ثمة طائرات حطت من معظم الدول في مطاراتنا لتساعدنا. كان الأمر غريباً، أين ذهبت مشكلات الماضي وخلافات السياسة، كان الأمر ولو وقف عند ذلك الحدّ عظيماً، لكنّه سرعان ما تجاوزه ليتم تطويع المشهد في السياسة”. ويتابع: “حين عُقد اجتماعا عمان والقاهرة ودُعي بلدنا على مستوى الرئاسة إلى حضور قمّة جدّة تنفسنا الصعداء، اعتمرت صدورنا فرحة لا يمكن وصفها، خلص، يكفي حرب، وأخيراً سنتصالح مع الجميع، ورحت أفكر بيني وبين نفسي كيف سيتراجع الدولار من 15 ألف ليرة إلى 50 ليرة كما كان قبل الحرب، وكيف ستتغير حياتنا ونرجع كما لو لم تدمر الحرب وطننا، وكيف سنرتاح أخيراً ونطوي عقد الدم، ولا أنكر، كان حلماً جميلاً وعظيماً لكنّه لم يعش أكثر من بضعة أشهر، لنكتشف كسوريين أنّ المبادرة سقطت وأنّ الحرب مستمرة، ولم يتغير شيء في بلدنا، نحن الآن في مستوى الحزن ذاته ما قبل فرحنا المسروق ذلك”.  

قمة جدة بمشاركة سوريا.
ولدت ميتةسلمى بويضاني خريجة كلية العلوم السياسية، تعتقد أنّ المبادرة العربية خلقت لتسقط، معيدةً ذلك إلى شروط تعجيزية على دمشق مقابل انفتاح عربي نظري، تقول: “مبادرة خطوة بخطوة جيدة بشكلها العام، ولكن ماذا عن تطبيقها على الأرض؟ نحن بلد منكوب يحتاج دعماً هائلاً يبدأ بإعادة الإعمار وتمهيد الأرضية لعودة ملايين اللاجئين ويد دمشق وحدها لا تصفق، وهذا هو الخذلان الذي اكتشفناه في النصف الثاني من عامنا الحالي، وهو ما أعادنا إلى جذر المشكلة الأساسي وعدم القبول بالإملاء”. وتضيف: “بعيد الزلزال أتحدى أن يكون ثمّة سوريٌّ لم ينفرج صدره لما يحصل دولياً، خصوصاً في تطورات نيسان وأيار واجتماعاتهما العربية التي ضمّت سوريا. صار الناس يبتسمون، صارت السياسة من جديد حديثاً طاغياً من المقاهي إلى الجامعات، ولكنّ الأحلام تتكسر، وليست أول مرّة ينكسر فيها خاطرنا”.
التغاضي عن السيئ في انتظار الأفضل“كان الدولار بـ6 آلاف ليرة سورية بالتزامن مع الزلزال وما بعده خلال المبادرة العربية، ولكن هل تدري ماذا حصل لاحقاً؟ بعد القمة بشهرين صار الدولار بـ16500 ليرة سورية”. يقول الأكاديمي في إدارة الأعمال لبيب برازي لـ”النهار العربي” مبيّناً أنّ الانهيار المتسارع للعملة المحلية لم يكن ليكدر صفو الناس وهم آملون بالعبور نحو مرحلة جديدة مزدهرة. يضيف: “كانت الأمور طيلة العام تسوء اقتصادياً، وموارد النفط وحوامل الطاقة تقلّ، ولكنّ ذلك كان ظرفاً اعتيادياً متنامياً ومعقولاً خلال سنوات الحرب، ولا يستحق الوقوف عنده في مرحلة التفاؤل الكبرى خلال النصف الأول من 2023، ولكن الطامة الكبرى أنّنا أهملنا ما يحصل وتشبثنا بوهم حين استفقنا منه وجدنا أنّ راتب الموظف لدينا تضاءل في قيمته الشرائية إلى الحدّ الذي بات لا يكفي ليوم واحد”.
العودة إلى الحلول الفرديّةحالة التفاؤل الجماعي التي أصابت المجتمع في النصف الأول من 2023 أرخت بظلّها أيضاً على المهندس عمران وسوف الذي تابع القمة العربية على شاشة التلفاز مع أصدقائه بكلّ اهتمام. يقول عمران: “حين ألقت سوريا كلمتها شعرنا بقشعريرة، تذكرنا قمتي العراق وليبيا وغيرهما وكيف كانت سوريا تحضر وتلقي كلماتها العربية المدوية، ودون كلّ ذلك كان ما أسرنا في المشهد هو علمنا بجانب أعلام الدول العربية وأنّ عهد القطيعة انتهى ومن الآن سنبدأ الترتيب لمشهد ما بعد الحرب”. ويضيف: “ولكنّها أسابيع قليلة فقط حتى بدأت تسوء المعيشة أكثر، وكأن المبادرة العربية تلاشت، وفهم السوريون جميعاً أنّ علينا أن نتابع حياتنا فقراء مكسورين كما كانت بابتداع حلول فردية إنقاذية ربما لعقد آخر مقبل، عقدٌ آمل أن يظلّ فيه سوريون شباب في هذا البلد بعدما عاد حلم الهجرة الجماعية يتنامى بعد أشهر من السكينة والأمل السياسي”.
خوارزميات معقدةكان عام 2023 قاسياً على السوريين كما لم تكن أي سنة أخرى في الحرب، حتى تلك السنوات التي كانت فيها المعارك في كل مكان، هذه المرة كان الانكسار نفسياً على أناسٍ ينتظرون الفرج لحظة بلحظة متمسكين بما لهم في هذا البلد، مؤمنين بأنّ حدثاً سيغير كل شيء. في علم النفس يسمى ما حصل بـ”الرضوخ التالي للصدمة”، وهو الإرهاصات التي تلي الصدمة القاسية، يقول قائل: “كنا متعايشين مع مصيبتنا، لماذا منحونا الأمل الكاذب؟”.  وانطلاقاً من ذلك التمني انقلب حال السوريين الذين كانوا يريدون الكثير وليس أقلّ من ناطحات سحاب في مدنهم المدمرة، ولا أقل من غاز وبنزين وكهرباء على مدار اليوم والساعة، ثم ماذا؟ ثم عادوا إلى دفاتر حساباتهم الصغيرة لتدوين مصاريفهم الأساسية وفق خوارزميات معقدة لن يفهمها غيرهم، وهي وحدها التي لم تمتهم جوعاً حتى الآن. 

التعليقات معطلة.