العراق بين ثلاثة خيارات:
نفوذٌ إيراني منبوذ، نفوذٌ أمريكي أخفق في وعوده، وخيارٌ ثالث مثير للجدل
لم يعد العراق اليوم أمام مفترق طرقٍ تقليدي، بل أمام مأزق سياسي مركّب، تتداخل فيه الإرادات الخارجية مع عجز الداخل عن إنتاج بديل وطني جامع.
فالبلاد تُدعفع قسرا إلى معادلة مختلّة، إما نفوذ إيراني مرفوض شعبيا، أو نفوذ أمريكي لم يفِي بتعهداته، وبدا وكأنه سلّم العراق لطهران، وبين هذين الخيارين يبرز مسار ثالث يثير الجدل والقلق في آنٍ واحد.
هذه ليست خيارات سيادية، بل أعراض أزمة دولة.
نفوذ إيراني بلا قبول شعبي
على مدى سنوات، فشل النفوذ الإيراني في التحول إلى علاقة دولة بدولة، أو شراكة مصالح متوازنة. بل ارتبط اسمه بتقويض مؤسسات الدولة، وتغليب السلاح على القانون، وربط القرار العراقي بإرادة خارجية.
واللافت أن هذا النفوذ لم يعد مرفوضا من نخب سياسية أو فكرية فحسب، بل من غالبية شعبية واسعة، حتى داخل البيئات التي جرى الادعاء تمثيلها طويلا. لقد تآكلت شرعية “الحماية” حين تحولت إلى عبء، وتبيّن أن كلفتها كانت دولة ضعيفة، واقتصادا هشا، ومستقبلا معلّقا وسرقات مكشوفة .
نفوذ أمريكي أخفق في الالتزام
في المقابل، لم يقدم النفوذ الأمريكي نموذجًدا مغايرا. فالولايات المتحدة التي دخلت العراق تحت عناوين بناء الدولة والديمقراطية، سرعان ما اكتفت بإدارة الأزمات بدل حلّها، وغضت الطرف عن قصد أو حساب عن تمدد النفوذ الإيراني.
واشنطن لم تحمِ مشروع الدولة، ولم تواجه السلاح الموازي بجدية، ولم تفرض مسارا سياديا واضحا، ما جعل حضورها يبدو عسكريا بلا مضمون سياسي، وتأثيرا بلا مسؤولية أخلاقية.
النتيجة كانت معادلة عبثية .
حضور أمريكي عند الضرورة، وغياب عند اختبار الدولة.
الخيار الثالث:
ترامب بين الأمل والقلق
في خضم هذا الانسداد، يطفو خيار ثالث في الوعي العراقي، دونالد ترامب.
ينقسم الرأي العام حياله بوضوح، فهناك من يرى فيه منقذا محتملا قادرا على كسر التوازنات التي سمحت لإيران بالتمدد في ظل الإدارات الديمقراطية، وهناك من يراه أزمة جديدة، قد يدفع العراق ثمن فوضويتها كما دفع أثمان مغامرات سابقة.
غير أن القراءة الهادئة تفرض التمييز بين الشخص والسياسات.
ترامب ليس جزءا من المدرسة الديمقراطية التي أدارت ملف العراق ببرود، وهو ناقد صريح لسياسات الديمقراطيين تجاه العراق وإيران معا. وبهذا المعنى، لا يمكن اعتباره امتدادا للمسار القائم، بل عاملا مربكًا له، ومسرّعا لانكشاف الخلل، لا صانعا لحلٍ جاهز.
ومع ذلك، يبقى قلق العراقيين مشروعا ومفهوما. فترامب لا يمثل مشروع دولة عراقية، ولا يقدّم ضمانات سيادية، بل يعكس في أفضل الأحوال، فرصة ظرفية قد تكشف الزيف، لكنها لا تبني بديلا.
جوهر الأزمة:
غياب المشروع الوطني
المهزلة الحقيقية لا تكمن في تعدد النفوذ، بل في غياب الداخل القادر على كسر هذه الثنائية. فالعراق لا يعاني نقصا في الحلفاء، بل فراغا في الرؤية. ومن دون مشروع وطني موحد، ستبقى كل التحولات الدولية مهما بدت دراماتيكية ، موجات عابرة، تُستخدم لتبرير نفوذٍ أو الخوف من آخر .
لماذا هذه اللحظة مفصلية؟
تكمن خطورة اللحظة الراهنة في أنها تُقدّم للرأي العام بوصفها مفاضلة بين أشخاص ونفوذ، لا بين مشاريع ورؤى. وحين يُختزل مصير بلد بحجم العراق في أسماء دول أو رؤساء، يُقصى السؤال الأهم:
أين يقف العراقيون من كل ذلك؟
الحديث عن ترامب، أو عن غيره، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه رهانا، بل قراءة لتحول في قواعد اللعبة الدولية. فهو لا يمثل خلاصا، كما لا يشكّل بالضرورة كارثة، لكنه يكشف بوضوح ما حاولت الإدارات السابقة إخفاءه . أن العراق كان يُدار كملف هامشي، وأن النفوذ الإيراني لم يكن قدرا، بل نتيجة فراغ سياسي ورؤية أمريكية متراخية.
هذا الفهم ضروري لأن القلق العراقي مشروع، بل صحي. لكن الأخطر من الخشية هو الارتهان لها، وتحويلها إلى مبرر لغياب الفعل الوطني. فكل تحول دولي، مهما بدا حاسما، لن يكون منقذا ما لم يُقابَل بمشروع سيادي واضح، ولن يكون خطرا إلا حين يواجه دولة مفككة ورؤى متصارعة.
ان السؤال المطروح بقوة ، لا يتعلق بترامب، ولا بإيران، ولا بأمريكا، بل بالعراق نفسه .
هل يمتلك الشجاعة للانتقال من موقع التلقي إلى موقع الفعل؟
وهل يستطيع كسر المعادلة الزائفة التي حبسته بين نفوذٍ مرفوض ونفوذٍ مخيب، دون إنتاج بديل وطني جامع؟
هذه ليست مقالة تشاؤمية، بل توصيف للّحظة.
فالأزمات الكبرى لا تُنهي الدول، لكن سوء قراءتها يفعل.
وفي لحظات التحول، لا يُقاس وعي الأمم بما تخشاه،
بل بما تفعله حين تنكشف الحقيقة كاملة .

