مقالات رئيس التحرير

ما الضمانات التي تطلبها “التيارات الولائية” في العراق بعد خسارتها الانتخابات؟

سرت أنباء عن أن قياديين قريبين من إيران أبلغوا الصدر قبولهم أي شخصية لرئاسة الوزراء غير الكاظمي

الأحد 14 نوفمبر 2021 6:50

مناصرون لـ”الحشد الشعبي” يتظاهرون قرب المنطقة الخضراء في بغداد في 12 نوفمبر الحالي (أ ف ب)

لا تبدو المسارات السياسية في العراق في طريقها إلى الحسم، إذ لا تزال أزمة نتائج الانتخابات الأخيرة تعصف بالأوساط السياسية، خصوصاً مع استمرار التصعيد الذي تقوده الميليشيات الموالية لإيران وتمسك التيار الصدري بخيار حكومة “الأغلبية السياسية”.
ولا تتعلق الإشكالات الدائرة في البلاد برغبة التيارات الولائية في العودة إلى التوافق فحسب، بل في رغبتها بالحصول على ضمانات تتيح لها استمرار الهيمنة على هيئة “الحشد الشعبي” مع ما يوفره ذلك من نفوذ أمني وسياسي ومصالح اقتصادية، وفق مراقبين.
وربما يمثل بحث تلك الفصائل عن ضمانات لاستمرار سيطرتها على “الحشد”، دافعاً رئيساً في محاولاتها للعودة إلى توافقات “البيت الشيعي” وعدم الاحتكام إلى نتائج الانتخابات الأخيرة وما أفرزته من أوزان جديدة للكتل الشيعية.

توافقات غير ممكنة

لعل ما يعقّد إمكانية الوصول إلى تفاهمات بشأن استمرار سيطرة الميليشيات الولائية على “الحشد”، يرتبط بمدى الضمانات التي من الممكن منحها إياها، خصوصاً مع التضاؤل الكبير للغطاء البرلماني الذي كانت تتمتع به تلك الجماعات بعد خسارتها الانتخابات الأخيرة.
وقال القيادي في “الحزب الديمقراطي الكردستاني”، عماد باجلان، إن مخرجات الانتخابات الأخيرة “أبعدت الفصائل المسلحة والتيارات الولائية والفصائل الخارجة عن القانون، برلمانياً، مما ولّد لديهم هاجساً بأن منظومة الحشد التي يتسترون خلفها بخطر، فعمدوا إلى ممارسة أقصى الضغوط على الواقع السياسي”.
وعلى الرغم من كل دعوات التصعيد التي تشنها الجبهات الموالية لإيران، إلا أن الزيارة الأخيرة لقائد “فيلق القدس” الإيراني، إسماعيل قاآني، “غيرت من وجهات النظر تلك”، بحسب باجلان الذي أشار إلى أن “اجتماع قاآني مع قادة الفصائل حفّز دعواتهم إلى التهدئة وعدم جر البلاد إلى اقتتال شيعي – شيعي”.
واستبعد باجلان عودة الكتل الفائزة الكبيرة إلى التوافق حول تشكيل الحكومة المقبلة، تحديداً ما بعد احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) 2019، مؤكداً أن السيناريو المقبل سيتمثل بالدفع باتجاه “حكومة تحالفات قوية تكون مسؤولة أمام العراقيين، بينما ستتجمع الكتل الخاسرة في كتلة معارِضة في البرلمان”.
وختم قائلاً إن إيران “غير متخوفة” من أن تشكّل “الكتلة الصدرية” الحكومة المقبلة، خصوصاً وأن التيار “ليست لديه مشاكل حقيقية مباشرة مع إيران”، مبيناً أن “العراق بحاجة إلى حكومة حكيمة وقوية ترتب أوضاع البلاد والعبور من تلك المرحلة وتلعب دور الوسيط بين إيران وأميركا والخليج”.

سيناريوهات “ولائية”

في المقابل، لا تخفِ التيارات الموالية لإيران مخاوفها من إمكانية تشكيل حكومة طوارئ برئاسة رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي، وباتت تطرح صيغة “أي شخصية سوى الكاظمي”، حيث يبدو أنها لا تمانع ترؤس شخصيات تُعد عدائية بالنسبة لها، مثل رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، كمرشح تسوية، انطلاقاً من مخاوفها حيال إمكانية استمرار الكاظمي في منصبه.
وسُرّب عن قيادات في التيارات الموالية لإيران أنها أبلغت زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر قبولها بأي شخصية لرئاسة الوزراء غير الكاظمي. كما تطرح تلك الأطراف سيناريو إعادة الانتخابات في أبريل (نيسان) 2022، وهو الموعد الذي سبق الاتفاق على إجراء انتخابات مبكرة، إلا ذلك الطرح يبدو كورقة تصعيدية للوصول إلى تسويات، خصوصاً مع عدم إمكانية تجاوز السياقات الدستورية في هذا الإطار.
وقال عضو المكتب السياسي لميليشيا “عصائب أهل الحق”، سعد السعدي، إن “إعادة الانتخابات من أكبر المظاهر الديمقراطية، ومن عوامل زرع الثقة بين الشعب والسلطات”. وتابع، “إذا ثبت التزوير فلن يكون هنالك مانع من إعادة الانتخابات، ولدينا أدلة –قد نقدمها للرأي العام إذا وصلنا إلى طريق مسدود- ستؤدي إلى إعادة الانتخابات”.
وكان زعيم مليشيا “عصائب أهل الحق”، قيس الخزعلي، قد صرح في وقت سابق أن “الوضع الحالي غير مناسب لتشكيل حكومة أغلبية وطنية وذلك سيقودنا إلى عدم الاستقرار”.
في السياق، لوّح رئيس تحالف “الفتح” هادي العامري بمقاطعة العملية السياسية بالكامل على خلفية أزمة نتائج الانتخابات. وقال العامري في بيان، في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، “لن نقبل بفرض الإرادات وقد نلجأ إلى مقاطعة العملية السياسية بالكامل، إذا لم تُعالَج الطعون بشكل حقيقي وجاد”، مبيناً أن “ممثلة الأمم المتحدة تتحكم بالمفوضية ولها دور سلبي وتدخلات خارج نطاق عملها”.

مرحلة تراجع “قوى السلاح”

في المقابل، عبّر الناطق باسم “الكتلة الشعبية المستقلة”، المرشح الفائز في الانتخابات التشريعية الأخيرة، سجاد سالم، عن اعتقاده أن “خارطة اصطفافات الفصائل المسلحة تغيرت وفق المكتسبات الانتخابية الأخيرة، وهو ما بدا واضحاً في تباين مواقفها إزاء النتائج”. وأضافأن بعض الفصائل “تحاول المحافظة على نفوذها ما دفعها إلى صياغة تفاهمات أدت إلى انسحابها من التظاهرات، فيما لم تحصل الجبهة الأخرى حتى الآن على ضمانات تجعلها تتقبل النتائج”، مبيناً أن ما يجري الآن يمثّل “صراعاً للحفاظ على المكتسبات”.

اقرأ المزيد

وختم بالقول إن “المرحلة الحالية تمثّل مرحلة تراجع تأثير قوى السلاح على المشهد السياسي العراقي”.

قلق وهواجس داخل التيارات الولائية

وتثير المرحلة الحالية مخاوف عدة، تحديداً حيال ما يتعلق بإمكانية تزخيم التصعيد الذي تشنه الميليشيات في حال لم يتم التوافق معها بشأن سيناريوهات تشكيل الحكومة المقبلة.
ورأى رئيس مركز “كلواذا” للدراسات، باسل حسين، أن القلق في المرحلة المقبلة يرتبط بـ “مدى التصعيد الذي يمكن أن تصل إليه الميليشيات الموالية لإيران بعد خسارتها المدوية في الانتخابات”، لافتاً إلى أن “رفع وتيرة الاعتراض على نتائج الانتخابات ونقله من السياق القانوني إلى الشارع مع التهديد باستخدام العنف يختصر حالة القلق وهواجس الانحسار ثم الاندثار التي تواجها الفصائل الولائية”. وأضاف أن “أي توافق، وفق قادة الميليشيات، ينبغي أن يتضمن تطمينات لفاعليتهم داخل مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية”. وعلى الرغم من مخاوف الأطراف الولائية من خسارتها الغطاء البرلماني الذي كانت تتمتع به، رأى حسين أن “امتلاك تلك الأطراف للسلاح يمثّل العنصر الحيوي الذي تعتمد عليه في الاستدامة وتوفير مصالحها”.
ومثلت هيئة “الحشد الشعبي” التي تنضوي غالبية الميليشيات الموالية لإيران ضمنها، مساحة رئيسة للنفوذ السياسي ومنصة أساسية لتلك الجهات تسمح لها بالسيطرة على منافذ اقتصادية مهمة في البلاد.
ويبدو أن القضية لا تتعلق بمسارات التصعيد التي تفرضها المنظومة الموالية لإيران في العراق بل ترتبط بإصرار الصدر على فكرة حكومة “الأغلبية السياسية”، في حين عبّر حسين عن اعتقاده بأن “الظروف قد تجبر الصدر إلى القبول بخيرات التوافق في حال عدم وجود إمكانية لتشكيل حكومة أغلبية”.

بحث عن “استحقاقات رمزية”

ويبدو أن التيارات الموالية لإيران باتت تستخدم سياسية “أقصى الضغوط” للوصول إلى تسويات جديدة تتجاوز الاستحقاقات الانتخابية وتعتمد “الأحجام الاعتبارية والرمزية” للكتل الشيعية بشكل خاص، في مسعى للمحافظة على نفوذها السياسي والأمني.
ورجحّ الكاتب بسّام القزويني أن “تكون أسس التوافقات الممكنة بما يتعلق بالمرحلة المقبلة تتمحور حول “عدم المساس بالحشد الشعبي إدارياً”، مبيناً أن هناك محاولات لـ”الحصول على وزارة أمنية بالإضافة للحشد”. وأضاف أن “زيارة قائد فيلق القدس اسماعيل قاآني الأخيرة إلى بغداد تضمنت اشتراطات عدة من ضمنها عدم المساس بأي قائد فصيل، الأمر الذي ينسحب على قادة الحشد أيضاً”.
وقلّل القزويني من جدية التيار الصدري في تشكيل حكومة أغلبية، مشيراً إلى أن الصدر لن يجازف في “تحمل مسؤولية الحكم في وضع مرتبك ومشحون، وما يجري هو محاولات لتحقيق ضربات إعلامية إلى حين بداية المفاوضات الرسمية لاستمالة جزء من الإطار التنسيقي أو الذهاب إلى توافق كلي مع الإطار على أقل تقدير”.
وختم بالقول إن “ما يمكن أن يدفع الأطراف المعترضة على نتائج الانتخابات إلى التهدئة هو توزيع المناصب وفق الاستحقاق الرمزي لا الانتخابي، وهو الأمر الذي تدفع به القوى المتراجعة في عدد المقاعد عبر تظاهرات في الشارع وعدم قبول النتائج”.

admin