مقالات

شراع: المنطقة ضحية إدمان حروب الوكالة

خميس التوبي

يبدو أن الولايات المتحدة صارت مهمة شيطانية لبعض العرب، وبالتالي من الضرورة بمكان أن يكمن الشيطان في تفاصيل التفاصيل، مثلما كان هذا البعض مهمًّا لتوفير الحاضنة والبيئة الضامنة لبقاء هذا الشيطان، وليكون قادرًا على مواصلة ممارسة شعوذته ودجله على من وُضِعُوا خارج سياق التاريخ والمنطق والعقل والرشد، وكذلك ليكون قادرًا على الاستمرار في غواية وتجهيل من قبلوا بأن يكونوا خارج هذا السياق أو لديهم القابلية لذلك.
هذه النظرة التبادلية تبدو في أجلى صورها على صفحات المشهد اليومي للمنطقة المعبَّأ بمظاهر الإرهاب والقتل والدماء والحروب بالوكالة والفتن الطائفية والمذهبية؛ فالأميركي يؤدي دوره ويملي إملاءاته وفي جعبته هدفان استراتيجيان؛ الأول ضمان استمرار مصالحه ومشاريعه الاستعمارية في المنطقة، والثاني تأمين بقاء كيان الاحتلال الإسرائيلي وقد غابت من حوله كل مهددات وجود احتلاله وإرهابه وجرائمه.
ولقد وجد الأميركي ضالته فيما أنتجه من أدوات عربية وإسلامية أو محسوبة على العروبة والإسلام، لدرجة جعلته يدمن حروب الوكالة حتى الثمالة، فجعل هذه الأدوات في خدمته، تتمسح بمسوحه، وتتقرب إليه بالقرابين لتنال رضاه وبركته، ووفقًا لذلك بنى استراتيجيته في المنطقة، وقودها البشر ووسائلها جاهلية، وتستخدم الطائفة والمذهب والدين والاقتصاد والفقر في المناطق المستهدفة.
سوريا تقدم إحدى الصور الجلية عن تلك الحقيقة، خصوصًا من زاوية الفارق بين الغرائز الشيطانية العدوانية الهادفة إلى إحداث دمار هائل يشمل الكيانين الجغرافي والإنساني، وبين الغرائز التسلطية البهيمية، ويتضح الفرق أكثر بين شيطان يمارس حيله ويبسط أحابيله، ويجنِّد أدواته لتحقيق أجنداته، وبين غريزي بهيمي لا يستطيع مسايرة الواقع وفهم مآلاته الكارثية، واستيعاب متغيراته، فشتان بين من يدفعه عقله ومنطقه وبصيرته ورشده، وبين من يدفعه خبثه ومكره وغريزته وجهله ونزوته.
إن مسار الصراع في سوريا قد كشف ـ منذ أول طلقة أطلقها الشيطان وأدواته على صدر الدولة السوريةـ عن مخطط كبير كوني يستهدف بقاءها موحدة وممانعة وقومية وعروبية، لكونها آخر حلقة في السلسلة التي تحاصر المشاريع الاستعمارية والامبريالية الصهيو ـ أميركية ـ غربية، واليوم وبعد مرور سبع سنوات تتأكد حقيقة هذا المخطط، نافية ما ظل حزب الشيطان يطلق عليه زورًا اسم “ثورة” و”معارضة معتدلة”، ومؤكدة أن هناك أطماعًا ومشاريع استعمارية وتدميرية بالجملة كشفت عنها الأدوات التي أنتجها الأميركي والصهيوني، سواء من حيث الموبقات وجرائم الحرب التي ترتكبها هذه الأدوات ضد الشعب السوري، أو من حيث التدمير الشامل للبنى الأساسية والمنشآت الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والتعليمية والصحية، والعسكرية والأمنية، أو من حيث محاولة كل أداة ووكيلها المتكفل بدعمها ماليًّا وتسليحيًّا لخدمة الصهيو ـ أميركي للظفر بأكبر قدر من الكعكة السورية، واقتطاعها من الدولة السورية وتقديمه على طبق من ذهب للسيد الصهيو ـ أميركي. فمن تابع ولا يزال يتابع تفاصيل المخطط الإرهابي ضد سوريا سيجد أنه لا يخرج عن هذا السياق. وتقدم اليوم الغوطة الشرقية ـ كما قدمت من قبل حلب الشهباء وحمص وتدمر ـ شواهد ليست واقعية ميدانية فحسب، وإنما شواهد تاريخية على الأدوار التي تلعبها الأدوات في خدمة سيدها الصهيو ـ أميركي.
والمؤسف أن هذه الأدوات لم تعِ بعد أنها مجرد حبل سري لاستراتيجية الاستعمار والهيمنة للصهيو ـ أميركي، وأنها سيتواصل حرقها وحلبها لحين إنجاز الأهداف، ثم يقطع هذا الحبل ويرمى به في المزابل، ولن تقوم لها قائمة ساعتئذ، وستجد أنها في مزابل التاريخ. وعلى سبيل المثال، يبين حال ميليشيا الإرهاب المسماة “جيش الإسلام” في دوما بالغوطة أنها مجرد عصابة إرهابية مأجورة لخدمة أجندات صهيو ـ أميركية ليس إلا، ونسيت أو تناست أن مصيرها الحرق والدعس والنهاية المخزية، سواء من خلال إصرارها على امتهان الإرهاب وبالتالي تحمل نتائج ذلك، أو من خلال قبولها الخروج من دوما وتسليم أسلحتها الثقيلة إلى منطقة جرابلس أو غيرها، وهنا بحكم التنافس المحتدم بين الوكلاء لخدمة السيد الصهيو ـ أميركي ستجد هذه الميليشيا الإرهابية نفسها في مواجهة مع ميليشيا إرهابية أخرى، لا سيما وأن لميليشيا “جيش الإسلام” الإرهابية ثأرًا مع تنظيم جبهة النصرة الإرهابي على خلفية المواجهات العنيفة التي دارت بين التنظيمين الإرهابيين في الغوطة، ما ينفي كل ذلك “البروباجندا” الصهيو ـ أميركية ـ غربية ـ إقليمية التي بالغت في تقمص دور المنقذ والمخلِّص للشعب السوري، وأن مجموع هذه التنظيمات الإرهابية التي وصفت بـ “المعتدلة” هي التي ستقود الشعب السوري إلى مراتع الحرية والديمقراطية، وفضاءات العدالة والمساواة.
لذلك على كل سوري باع ذمته ووطنه وارتهن للعدو الخارجي أن يراجع ذاته ويعدي حساباته، فالرهان الأقوى والأصلح دائمًا هو الرهان على بقاء الوطن السوري موحدًا قويًّا، ومن جاء من الخارج بغطاء كاذب من الشعارات البراقة والرنانة جاء لخدمة أجندات من أرسله، بالإضافة إلى ما يبتغيه من متع الدنيا، كما صورها له الدجالون المتدثرون بثوب الدين والفتوى.