مقالات

في العمق : أراضينا الزراعية والبحث عن حلول مقنعة‼

 
د. رجب بن علي العويسي
 
 
يأتي تناولنا لهذا الموضوع في ظل الطرح المستمر لمساهمة القطاع الزراعي في تنويع الدخل الوطني، وموقعه في منظومة الجهود الحكومية الساعية لبناء مشروعات وأنشطة اقتصادية لتحقيق الأمن الغذائي، والاكتفاء الذاتي من بعض المزروعات في سد احتياجات السوق المحلية، وتشير إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، إلى أن قطاع الزراعي حقق معدلات نمو جيدة خلال عام 2016، حيث ارتفعت قيمة الناتج المحلي في القطاع من (1.792) مليون طن، في عام 2015، إلى 1.869 مليون طن في عام 2016، ولعل ذلك يرجع إلى زيادة المساحة المزروعة من 197 ألف فدان، عام 2015، إلى 202 ألف فدان في عام 2016؛ وما أثاره قرار معالي وزير الزراعة والثروة السمكية الموقررقم 10/ 2017 بإصدار لائحة تنظيم استخدام الأراضي الزراعية والشروط والآليات المطلوبة عند تغيير استخدام الأراضي الزراعية، من نقاشات وحوارات ومسوغات عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وبالتالي الحزم التطويرية المتكاملة التي يجب أن تتجه نحوها جهود وزارة الزراعة والثروة السمكية والجهات المعنية أو المشاركة في هذا القطاع، في إعادة تأهيل هذه المزارع واستثمارها وتوظيفها والمحافظة عليها صالحة للاستخدام بالشكل الذي يعزز شعور المواطن بالقيمة المضافة الناتجة منها والفرص المتحققة له في استثمارها؛ وكفاءة الضمانات التي تعتمدها المؤسسات المعنية، بما يتيح للمواطن المالك لها أو المستثمر فيها، فرص استمرارهم في هذه الأنشطة، بالشكل الذي يضع حدا لمسوغات تغيير استعمالها إلى أنشطة سكنية أو تجارية أو سياحية أو غيرها، ويمنع من استمرار الممارسات المسيئة لها من قبل الأيدي العاملة الوافدة، عبر السماح بحفر آبار ارتوازية، أو بإيجاد أخرى بديلة في حالة الحصول على موقع أفضل لها في حدود القطعة الزراعية، وانتهاج مبادرات أخرى تضمن المحافظة على كفاءة استخدام هذه الأراضي والاستثمار الأمثل الواعي لها، عبر تعزيز أو إيجاد عمليات دعم مناسبة وكافية لشراء أو تركيب الأدوات الحديثة والميكنات الزراعية المتطورة وأنظمة الري العصرية، وإعادة النظر في مسألة التسويق الزراعي للمنتجات الوطنية بالشكل الذي يضمن تغطيتها للسوق الوطنية، وفتح منصات الترويج والتسويق الخارجي لها، وتوفير أدوات التبريد والحفظ والتخزين لها، وإيجاد نقاط تسويقية فاعلة في كل الولايات، بالشكل الذي يضمن حرص المواطن على تحقيق جودة عالية في الإنتاج، بالإضافة إلى تشجيع الاختيار للمنتجات الوطنية وتعزيز قيمتها ومنافستها في السوق المحلية.
إن التحولات الحاصلة في المنتج الغذائي واحصائيات التوريد والاستهلاك المحلي يشير إلى تفوق بعض المنتجات النباتية الغذائية على غيرها، وإمكانية زراعتها هذه المنتجات في السلطنة، بحيث يتحول جانب الاهتمام الحكومي من مجرد زراعة العلف الحيواني، إلى إعطاء المنتجات العالمية حضورا واسعا لها في المزارع عبر زيادة الرقعة الزراعية المستصلحة لها، وإضافة هذه الأنشطة ضمن أنشطة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وإيجاد بدائل مساندة للمواطن الراغب في هذا النشاط، بالشكل الذي يعمل على تقليل فاقد العمليات الاجرائية البيروقراطية واختصارها ما أمكن، بما يتيح للمواطن فرصا أكبر للاستثمار في هذه الأنشطة والمنافسة فيها، وتعزيز مساحات التكامل بين وزارة الزراعة والثروة السمكية ووزارة البلديات الاقليمية وموارد المياه والهيئة العامة للكهرباء والمياه ووزارة الاسكان وغيرها، سوف يضمن اهتمام المواطن بهذا القطاع وحرصه على الدخول فيه بقوة، على أن وجود مراكز وطنية مستقلة للدعم اللوجستي والتوعوي والتثقيفي تمتلك الصلاحيات الكافية والاستقلالية المصحوبة بالمرونة وسرعة الأداء وجاهزية البدائل، وتوظيف المختبرات الزراعية الداعمة واقترابها المباشر من المواطن عبر عمليات الإدارة والإنتاج والتوعية والوقاية، ضمانات تعزز الجهود الذاتية التي نعتقد بأنها لن تنجح إلا في ظل استعداد الجهات الحكومية المختصة على التعامل مع طموح المواطن، ومنحه الثقة والتمكين وإعطائه مساحات أكبر لصناعة البدائل، بل سوف يعزز هذا النجاح الذي يقدمه المواطن في إدارته لهذه المشروعات من فرص حصوله على أراض زراعية مشغلة بطريقة الانتفاع.
وعليه تفرض هذه الموجهات السابقة، معالجة جذرية للخارطة الزراعة بما يضمن قدرتها على التكيف مع الأهداف الإنمائية للدولة وخطط التنويع الاقتصادي ومساهمة القطاعات الرئيسية بدور فاعل في إدارة متطلبات المرحلة القادمة، عبر توفير فرص تشغيلية وأنشطة اقتصادية وتكوين بيئات استثمارية محفزة للدخول في هذا القطاع، ويبقى التأكيد على أهمية توحيد الجهود وزيادة التنسيق بين المؤسسات فيما يتعلق ليس بتغيير استعمال الأراضي الزراعية، وحمايتها، بل في بناء معادلة تحقيق الأمن الغذائي، التي تتحقق من خلال شعور هذه المؤسسات بالقيمة المضافة التي يحقق نمو هذه المزارع ونشاطها المستمر، وأن المطالبة بالتغيير ناتجة عن مسببات تتطلب معالجات جدية من وزارة الزراعة والثروة السمكية في التعامل مع هذا الأمر، بما يضمن الحفاظ عليها وزيادة المساحة الزراعية، لتحقيق الأمن الغذائي، وبالتالي دراسة الواقع الحاصل في الأراضي الزراعية، وتعزيز الحوارات الوطنية في هذا الشأن على مختلف المستويات، وبناء شراكات داعمة للمنجز الزراعي وتعزيز كفاءته عبر تعزيز حضور المزارع النموذجية، وزيادة الدعم في التكثيف الزراعي عبر الوحدات المحمية والتجارب الزراعية المائية والزراعات النسيجية أو تأهيل الزراعات المعتمدة على التربة.
أخيرا فإن تعزيز الثقافة والوعي المجتمعي، وتأكيد مشاركة المواطن في كل التوجهات الساعية لزيادة الانتاج الزراعي، وتقنين الموضوع عبر اعادة النظر في الواقع الزراعي والوقوف المباشر لتحديات ومتطلبات نجاحه، سوف يضمن معالجة للاشكاليات المرتبطة بالمياه والإهمال .. فهل ستفصح المراجعات الجادة لهذا القطاع عن حاجتنا إلى إعادة جهود الدولة في عام الزراعة إلى الواجهة، عبر تظاهرة وطنية تأخذ بهذا القطاع وتنتشله من حالة العجز التي يعيشها في بعض مجالاته؟