آخرها الغلاء المعيشي.. الأزمات لا تأتي فرادى على العراقيين

1


عن قرب

شفق نيوز- بغداد

لا تبدو الأزمات في العراق كحلقات منفصلة يمكن التعامل مع كل واحدة منها على حدة، بل عناصر مرتبطة ببعضها فيها السياسة بالاقتصاد والأمن بالمعيشة والداخل بالاقليم.

وفي كل مرة يظن فيها العراقيون أن موجة غلاء أو نقص في سلعة أساسية قد انتهت، تظهر موجة جديدة تعيد تثبيت حقيقة باتت راسخة بأن الأزمات لا تأتي فرادى على العراقيين.

وفي الأسابيع الأخيرة، عادت الأسواق إلى واجهة المشهد، مع ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية، وتحديداً الخضراوات والفواكه، وسط تزايد المخاوف من اتساع رقعة الغلاء لتشمل الغذاء والطاقة والدخل.

في وقت تتزامن فيه أزمات الغاز والرواتب والاستيراد، مع اضطرابات سياسية وأمنية، آخرها اعتراض طائرتين مسيرتين مفخختين في أربيل عاصمة إقليم كوردستان عصر اليوم.

موجة الغلاء

وتشهد الأسواق المحلية في العراق ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الخضراوات والفواكه، ولا سيما المستوردة منها، وهو ما انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، الذين وجدوا أنفسهم أمام أسعار تتغير بوتيرة سريعة.

ففي العاصمة بغداد، يقول صاحب محل خضراوات، علي أحمد، إن الارتفاع شمل أغلب أنواع الخضار، سواء المستوردة أو المحلية، مبيناً أن أسعار الطماطم وصلت إلى نحو ثلاثة آلاف دينار للكيلوغرام بعد أن كانت تتراوح بين 750 وألف دينار.

ويضيف أحمد لوكالة شفق نيوز، أن الارتفاع لم يقتصر على الطماطم، بل شمل أيضاً البصل الذي بلغ نحو ألف دينار للكيلوغرام بعد أن كان لا يتجاوز 250 ديناراً، إلى جانب الخيار والباذنجان، فيما وصلت أسعار البامية إلى نحو 10 آلاف دينار للكيلوغرام.

الإنتاج والاستيراد

وترجع وزارة الزراعة العراقية جزءاً كبيراً من هذا الارتفاع إلى عوامل إنتاجية ومناخية وتجارية، مرتبطة بدورة الزراعة الداخلية واعتماد السوق على الاستيراد.

ويقول وكيل الوزارة مهدي سهر الجبوري، لوكالة شفق نيوز، إن “ارتفاع أسعار بعض المحاصيل الزراعية والخضر يعود إلى شحة المنتج المحلي في عموم محافظات العراق”.

ويضيف الجبوري، أن “فتح استيراد الطماطم منذ آذار/ مارس الماضي لم يكن كافياً، بسبب شحة الإنتاج في الدول المجاورة وارتفاع أسعارها وظروف الشحن، ما أدى إلى انخفاض الكميات المستوردة وارتفاع الأسعار محلياً”.

ويشير إلى أن “انتهاء العروة الخريفية التي تعتمد على الزراعة المغطاة أدى إلى فجوة في الإنتاج، على أن يبدأ الإنتاج المكشوف مع نهاية نيسان/ أبريل الجاري، ما قد يسهم في خفض الأسعار تدريجياً”.

لكن الأزمة، بحسب الجبوري، لا تتوقف عند الإنتاج، إذ يدعو الأجهزة الأمنية إلى “مراقبة أسعار الجملة ومنع الاحتكار والتلاعب بالكميات الداخلة إلى السوق”.

اقتصاد مضطرب

وبعيداً عن السوق الزراعي، يرى خبراء اقتصاد أن ما يجري أعمق من مجرد نقص موسمي في الخضار، بل يرتبط باضطرابات هيكلية في الاقتصاد العراقي.

ويقول الخبير الاقتصادي ضياء المحسن، إن “موجة الغلاء الحالية ليست صدفة عابرة، بل نتاج ترابط بين عوامل جيوسياسية ونقدية وسياسية داخلية”.

ويضيف المحسن لوكالة شفق نيوز، أن “إغلاق مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين أجبر التجار على استخدام منافذ بديلة عبر الأردن وتركيا، وهي أعلى كلفة”.

كما يلفت إلى أن “تذبذب سعر الصرف في السوق الموازية يضغط على أسعار السلع المستوردة التي تشكل النسبة الأكبر من الاستهلاك المحلي”.

ويربط المحسن بين الأزمة الاقتصادية والأزمة السياسية، قائلاً إن “تأخر تشكيل الحكومة يعطل الموازنة العامة ويحد من قدرة الدولة على تنفيذ استيراد مباشر أو ضبط الأسواق، ما يفتح المجال للمضاربات وارتفاع الأسعار”.

ويرى أن “الأزمة ليست طارئة بالكامل، بل مرتبطة بالاعتماد على الاستيراد وتذبذب الدولار، بينما يبقى تشكيل الحكومة العامل الحاسم في تعميقها أو احتوائها”.

التضخم “فرصة”

في المقابل، يقدم الخبير الاقتصادي، أحمد عبد ربه، قراءة مختلفة نسبياً، إذ يرى أن ارتفاع الأسعار يمكن أن يُفهم كمرحلة “تصحيح اقتصادي”.

ويقول عبد ربه لوكالة شفق نيوز، إن “التضخم يضغط على القدرة الشرائية، لكنه في الوقت نفسه يعيد توجيه السلوك الاستهلاكي نحو مزيد من العقلانية، ويحفز الطلب على البدائل المحلية”، ما قد يسهم في “تنشيط الإنتاج الوطني وتقليل الاعتماد على الاستيراد”.

ويكمل حديثه، أن ارتفاع الأسعار يخلق نوعاً من “الانتقاء في السوق”، ما يدفع إلى تحسين جودة الخدمات وإقصاء الأنشطة غير الكفوءة، وهو ما يعتبره “تصحيحاً ضرورياً لرفع كفاءة السوق”.

لكنه يشدد في المقابل على أن مواجهة التضخم تتطلب “سياسات نقدية ومالية متوازنة، وضبط السيولة، واستقرار سعر الصرف، وتوجيه الإنفاق نحو القطاعات الإنتاجية بدل الاستهلاكية”.

الغاز والرواتب

ولا تتوقف الأزمة عند الغذاء، بل تظهر جلياً في غاز الطبخ، إذ يشير الواقع الميداني إلى حالات ازدحام أمام محطات التعبئة، فيما يرى مراقبون أنها استجابة نفسية للأزمات في ظل التوتر الذي تشهده المنطقة عموماً.

وبالتوازي مع أزمة الأسعار، تتجدد المخاوف من أزمة مالية أوسع تتعلق بالرواتب، في ظل تراجع الإيرادات النفطية، حيث تشير تقديرات اقتصادية إلى أن إيرادات النفط قد لا تكفي لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية، وهو ما يثير مخاوف من أعباء تضخمية إضافية.

ويرى خبراء أن استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط يجعل المالية العامة عرضة للصدمات، سواء من تقلب الأسعار أو تعطل الصادرات، ما يضع الدولة أمام أزمات متكررة.

عامل المشهد السياسي

كما لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية عن المشهد السياسي، إذ يشير النائب زيدون النبهاني إلى أن “تأخر تشكيل الحكومة أو ضعف التخطيط يفاقم الأزمات بدل منعها”.

ويضيف النبهاني لوكالة شفق نيوز، أن “غلق مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الاستيراد عبر المنافذ البرية جعل الأسعار ترتفع بشكل طبيعي”، مشيراً إلى أن “الطلب زاد نتيجة مخاوف الناس من أزمة أكبر”.

ويؤكد أن البرلمان أوصى الحكومة بمراقبة الأسواق، في وقت “تسعى فيه الجهات الرسمية إلى تقليل تأثير الأزمة، رغم استمرار الضغوط الخارجية”.

وفي السياق السياسي، كان الإطار التنسيقي الذي يجمع القوى الشيعية الحاكمة في العراق، قد أجل اجتماعه المقرر مساء اليوم إلى إشعار آخر، بسبب “خلافات داخلية”، وفق ما أفاد به مصدر سياسي لوكالة شفق نيوز، وذلك في ظل تصاعد الأزمات السياسية والأمنية في البلاد.

أزمة السيادة

ومنذ الحرب “الأميركية–الإسرائيلية” على إيران في 28 شباط/ فبراير 2026، تصاعدت الهجمات داخل عدد من المدن العراقية، ما أعاد طرح ملف السيادة إلى الواجهة، وسط تساؤلات بشأن قدرة الدولة على ضبط السلاح خارج مؤسساتها الرسمية، في ظل استمرار وجود فاعلين مسلحين خارج إطار الدولة وتأثيرات إقليمية تمتد إلى الداخل العراقي.

وآخر تلك الاستهدافات ما أعلنه جهاز مكافحة الإرهاب في إقليم كوردستان، الثلاثاء، اعتراض وإسقاط طائرتين مسيرتين مفخختين وجهتا من الأراضي الإيرانية نحو محافظة أربيل، وذلك تزامناً مع تعرض مقار تابعة للمعارضة الإيرانية إلى هجوم بواسطة طائرات مسيّرة في محافظة السليمانية.

ومنذ اندلاع الحرب الإقليمية، تعرضت محافظات ومدن إقليم كوردستان لهجمات بطائرات مسيّرة، ما هدد سلامة المدنيين، ولا سيما طلبة المدارس بمختلف المراحل، الأمر الذي دفع السلطات إلى تعليق الدوام في المدارس والجامعات لنحو أسبوعين، ما تسبب في أزمة تتعلق بإيصال المواد الدراسية، رغم التحول إلى التعليم الإلكتروني

التعليقات معطلة.