في ظل نظامنا الانتخابي، ومع مشهد بلغ من التفتت حداً يصعب معه التعرف إليه، قد ينتهي بنا الأمر إلى حكومة يقودها حزب “ريفورم” لم تصوت لها غالبية البلاد
ديفيد أرونوفيتش
قد ينتهي الأمر بالبريطانيين إلى حكومة لحزب “ريفورم” لم تحصد سوى 28 في المئة من الأصوات (رويترز)
ملخص
تفكك المشهد الحزبي البريطاني تجاوز اختزال المشهد في خسارة “العمال” للطبقة العاملة و”المحافظين” للطبقة الوسطى، وفتح المجال أمام صعود “ريفورم” داخل بيئة انتخابية متشظية لا تحكمها الانقسامات الطبقية التقليدية بقدر ما تحكمها الجغرافيا والعمر والتعليم. الخطر لا يكمن في التعددية نفسها، بل في نظام انتخابي قد يفضي إلى حكومة لا تريدها الأغلبية، كما حدث مع “العمال”، وقد يكرره هذه المرة لمصلحة “ريفورم” ببرنامج أكثر تشدداً.
أي زمن هذا! ففي إنجلترا بات لدينا الآن ما لا يقل عن خمسة أحزاب يملك كل منها أكثر من 500 عضو في المجالس المحلية. وسيكون حزب “العمال” قد خسر 60 في المئة من مقاعده مقارنة بعام 2021، فيما خسر “المحافظون” 40 في المئة. أما الفائز الأكبر، بطبيعة الحال، فهو حزب “ريفورم”. وسيجد كثيرون أنفسهم الآن أمام مجالس محلية يسيطر عليها هذا الحزب، بعدما لم يكن له فيها سابقاً أي أعضاء. وكل التوفيق لهم، لأنهم، إذا حكمنا على الأمور من خلال أداء مجالس “ريفورم” المنتخبة قبل عام، سيحتاجون فعلاً إلى هذه الأمنيات.
ماذا يعني كل ذلك؟ انسوا مقولة إن “العمال” خسر الطبقة العاملة. وبالقدر نفسه يمكن القول إن “المحافظين” خسروا الطبقة الوسطى. وقد يكون الأمران صحيحين، لكنهما ليسا سوى جزء صغير من الصورة الكاملة.
ما نشهده في السياسة البريطانية ليس إعادة اصطفاف بقدر ما هو تفكك كامل في الاصطفافات التقليدية، حتى بات الثابت الوحيد تقريباً أن معظم الناس يكرهون الحكومة القائمة، أياً كانت. أما في اسكتلندا، فالمشهد مختلف قليلاً، إذ تلقي الحكومة هناك باللوم على الحكومة في لندن. ففي العاصمة ناخبون من الطبقة العاملة، لكنهم لا يصوتون لـ”ريفورم”، وفي نيوكاسل ناخبون من الطبقة الوسطى، لكنهم لا يمنحون أصواتهم لـ”المحافظين”.
وكلما شعر الناخب بأنه أبعد عن المدن الكبرى وعن لندن، زادت احتمالات تصويته لـ”ريفورم”، بصرف النظر عن طبقته الاجتماعية. والاستثناء الأبرز هو الشباب، إذ يميلون أكثر إلى التصويت لـ”الخضر”. وتشير البيانات أيضاً إلى أن الحاصلين على تعليم جامعي والمقيمين في الضواحي أقل ميلاً إلى التصويت لفاراج، والأمر نفسه ينسحب، إلى حد ما، على النساء.
وفي “الجزر الغربية”، وعلى خلاف الاتجاه العام، حقق “العمال” فوزاً مريحاً في انتخابات البرلمان الاسكتلندي، بينما اكتسح “الحزب الوطني الاسكتلندي” معظم المشهد في أماكن أخرى. والسبب، على ما يبدو، هو أزمة العبّارات [التي تربط الجزر بالبر الرئيس]. وفي مجلس مقاطعة سافولك، الذي كان خاضعاً لسيطرة “المحافظين” حتى وقت قريب، سيتولى “الخضر” دور المعارضة في مواجهة القيادة الجديدة لحزب “ريفورم”. وفي ريدينغ، لا يوجد عضو واحد لـ”ريفورم”، كما لا يوجد له أي تمثيل في ريتشموند أبون تيمز، حيث يملك “الديمقراطيون الليبراليون” أكثر من 50 عضواً. وفي لينكولن التي يسيطر عليها “العمال” لا وجود لـ”المحافظين”، فيما يخلو مجلس سندرلاند من “الخضر”، حيث كاد “ريفورم” يقضي على “العمال” بالكامل.
أما كبار محللي الانتخابات في بريطانيا – أو، حسناً، السير جون كيرتس – فقد نظروا في نسب التصويت على المستوى الوطني التي تعكسها هذه النتائج، ولم يخلصوا إلى أن حزب “ريفورم” في طريقه إلى الفوز في الانتخابات العامة المقبلة، كما ادعى، على نحو سابق لأوانه، نايجل فاراج الذي يزداد اسمراراً يوماً بعد يوم. فبعدما كان الحزب يسجل 32 في المئة في استطلاعات العام الماضي، تراجع اليوم، على رغم مكاسبه، إلى 26 في المئة، فيما يقف كل من “العمال” و”المحافظين” عند 19 في المئة، و”الديمقراطيون الليبراليون” – الذين يبالغ الصحافيون في تجاهلهم – عند نحو 18 في المئة، و”الخضر” عند 16 في المئة.
يمكن العودة إلى القرن الماضي بحثاً عن سوابق، وربما نعثر على اثنتين: الاجتياح الكبير لـ”الحزب الوطني الاسكتلندي” في اسكتلندا، والهزيمة المدوية التي مُني بها حزب “العمال” في انتخابات لندن المحلية عام 1968، بعد عامين فقط من فوزه الساحق في الانتخابات العامة عام 1966. لكن أياً من هاتين الحالتين لا يطابق تماماً ما نشهده اليوم.
اقرأ المزيد
ستارمر يرفض “الرحيل” رغم هزيمة “العمال” بالانتخابات المحلية
نائب رئيس وزراء بريطانيا يؤكد دعمه الكامل لستارمر
الانتخابات الأخيرة قد تهدد وحدة المملكة المتحدة البريطانية
الانتخابات الأخيرة قد تهدد وحدة المملكة المتحدة البريطانية
وفي القارة الأوروبية، لا يكاد هذا يفاجئ أحداً. ففي فرنسا، وخلال الأعوام الـ20 الماضية، اختفى إلى حد بعيد الحزبان الكبيران اللذان طبعا مرحلة ما بعد الحرب، الاشتراكيون والديغوليون، ليحل محلهما خليط متشظّ من الانتماءات السياسية. وفي الانتخابات الفيدرالية الألمانية الأخيرة، فازت خمسة أحزاب بأكثر من 40 مقعداً، وحصلت ثلاثة منها على أكثر من 100. وفي السويد، بلغت حصص الأحزاب الثلاثة الأولى 30 في المئة و20 في المئة و20 في المئة. وفي هولندا، لم يتجاوز أي حزب 24 في المئة، بينما نال الحزب الأول في بلجيكا أقل من 17 في المئة بقليل.
في بعض هذه البلدان، تكون الانقسامات ذات طابع إقليمي، وفي بعضها الآخر ذات طابع لغوي، أو تدور بين المدن والريف، أو بين محافظين ثقافياً وليبراليين، ونادراً ما تُقرأ بوصفها انقسامات طبقية. لكن الخلاصة أن احتكار كتلتين سياسيتين كبيرتين للمشهد، كما في العالم الأنغلوساكسوني، ليس هو الصورة المعتادة التي تتخذها السياسة الانتخابية. وفي بريطانيا، هل يبدو مستبعداً حقاً تخيّل “حزب للشمال” أو “حزب للندن”؟
هل هذا سيئ إلى هذه الدرجة؟ في ظل نظامنا الانتخابي، نعم. فالمشكلة بالنسبة إلينا هي أننا، تماماً كما أفرزنا حكومة عمالية حازت 63 في المئة من المقاعد بأقل من 34 في المئة من الأصوات، قد نجد أنفسنا أيضاً أمام حكومة لـ”ريفورم” لم تحصد سوى 28 في المئة من الأصوات، وهي تتعهد حالياً بإنفاق مليارات على مطاردة من تصفهم بالمهاجرين غير الشرعيين في أنحاء بلد لم يصوت لها، لوضعهم في مراكز احتجاز ثم ترحيلهم.
إنه برنامج نعرف أن غالبية الناس في هذا البلد لن تؤيده، لكن النظام الانتخابي قد يفرضه عليها مع ذلك. وإذا كنتم ترون أن الحال سيئة الآن… فانتظروا ما هو آتٍ.
© The Independent
المزيد عن: الانتخابات البلدية البريطانية حزب العمال البريطاني

