أسوشييتد برس: العراق أكبر المتضررين من الحرب الدائرة في الشرق الأوسط

7







حكومة تصريف أعمال بصلاحيات محدودة لن تستطيع كبح نشاط الفصائل

 ترجمة: حامد أحمد

ذكر تقرير لوكالة أسوشييتد برس الأميركية أن العراق، الذي تمكن من إبعاد نفسه من اضطرابات إقليمية على مدى عامين، يجد الآن نفسه بمواجهة تحديات أمنية واقتصادية وسياسية صعبة، كونه عالقًا في مرمى نيران حرب تدور بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران، إذ يعد الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتعرض لضربات من كلا الجانبين، حيث يستضيف قوات أجنبية في قواعد تتعرض لهجمات من فصائل مسلحة مدعومة من إيران تهدد بجر البلاد إلى أتون الحرب، في وقت يعيش البلد حالة جمود وشلل سياسي تحت إدارة حكومة تصريف أعمال بصلاحيات محدودة تعيق قدرتها على كبح نشاط فصائل مسلحة متنفذة.
ومع اقتراب الحرب من إتمام أسبوعين كاملين، يزداد الوضع في العراق يأسًا. فقد أدت الاضطرابات في حركة الشحن في الخليج والضربات التي استهدفت حقول النفط والبنية التحتية إلى توقف الصادرات تقريبًا، مما يهدد دولة تعتمد على هذه التجارة كمصدر رئيسي لإيراداتها. في الوقت نفسه، يتصاعد صراع موازٍ للحرب الأوسع بين الفصائل العراقية المدعومة من إيران والولايات المتحدة. فقد استهدفت ضربات بطائرات مسيّرة شبه يومية مصالح أمريكية في أنحاء البلاد، بينما ردت الولايات المتحدة بضربات على قواعد للفصائل كإجراء دفاع عن قواتها. منذ بدء الحرب في 28 فبراير/ شباط، بعد ضربة كبيرة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل داخل إيران، استهدفت هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ مصالح أمريكية في العراق، بما في ذلك قواعد عسكرية في مطاري بغداد وأربيل ومنشآت دبلوماسية أمريكية. كما استهدفت إيران والفصائل العراقية المتحالفة معها حقول النفط والبنية التحتية للطاقة لزيادة الضغط الاقتصادي. وعلى عكس دول أخرى في الشرق الأوسط تأثرت بالحرب، يستضيف العراق في الوقت نفسه قوات راسخة موالية لإيران ومصالح أمريكية كبيرة. ويعتمد اقتصاده بشكل كبير على النفط، لذلك فإن أي تعطّل في الإنتاج أو الصادرات عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى انخفاض حاد في إيرادات الحكومة، في وقت تمر فيه بغداد بمرحلة انتقال سياسي صعبة.
ويشير التقرير إلى أنه مع استمرار الصراع، تزداد المخاطر بأن تؤدي الصدمات الاقتصادية والشلل السياسي والتوتر مع الفصائل المدعومة من إيران إلى تقويض الاستقرار النسبي الذي حققه العراق بصعوبة.

حرب بالوكالة
لا يزال المسؤولون السياسيون في بغداد وأربيل يدعون إلى الحذر ويؤكدون بأن مجريات الحرب يجب أن لا تُخاض على الأراضي العراقية، لكن مسار الصراع يبدو أنه يخرج تدريجيًا عن سيطرتهم. في الأيام الأولى للحرب، بدأت ضربات بطائرات مسيّرة وصواريخ من إيران وجماعات حليفة لها تستهدف قواعد أمريكية وبعثات دبلوماسية ومنشآت نفطية. وفي أربيل، عاصمة إقليم كردستان، أصبحت الهجمات بالطائرات المسيّرة شبه يومية، مستهدفة ليس فقط المصالح العسكرية الأمريكية وحلفاءها، بل أيضًا مواقع تجارية وحتى فنادق. يعمل العراق حاليًا تحت إدارة حكومة تصريف أعمال بعد أن عارضت الولايات المتحدة ترشيح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. أما رئيس وزراء تسيير الأعمال، محمد شياع السوداني، الذي يتمتع بصلاحيات محدودة أكثر، فإنه يفتقر إلى النفوذ الكافي للسيطرة على أنشطة الفصائل المتنفذة. وردت الولايات المتحدة على الهجمات باستهداف مواقع للفصائل في أنحاء البلاد، بما في ذلك جرف الصخر جنوب بغداد وشمال العراق ومنطقة القائم على الحدود العراقية السورية. وكما حدث في أزمات سابقة، اعتاد العراقيون التكيف مع العنف اليومي الذي يتسلل إلى حياتهم. ففي أحد مقاهي أربيل، سمع الزبائن صوت الطائرات المسيّرة القادمة، ثم انفجارًا مكتومًا قبل أن يتصاعد عمود من الدخان في الأفق بعد إسقاطها. وحاول أحد النادلين تهدئة الحاضرين قائلًا إن الضربات تستهدف القنصلية الأمريكية أو المطار ولا تشكل تهديدًا مباشرًا للزبائن.

صدمات مالية واقتصادية كبيرة
ويشير التقرير إلى أن التهديد الأخطر الذي يتعرض له العراق الآن هو الاضطراب في الإنتاج والتصدير النفطي الذي قد يشل الإيرادات الحكومية، في وقت أشار فيه مسؤولان، رفضا الكشف عن اسميهما، بأن بغداد حذرت من أن رواتب القطاع العام قد تتعطل اعتبارًا من الشهر المقبل. ولتخفيف الضغط، طلبت بغداد تصدير ما لا يقل عن 250 ألف برميل يوميًا من النفط الخام من حقول كركوك عبر خط الأنابيب إلى ميناء جيهان التركي الذي يمر عبر أراضي إقليم كردستان. كما أمرت الحكومة العراقية بتقليص الإنتاج في حقول النفط جنوب البلاد — حيث يُنتج معظم إنتاج العراق البالغ 4.8 مليون برميل يوميًا — بعدما أدت الحرب إلى توقف شبه كامل لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز وهاجمت الفصائل بعض المنشآت.
وتشكل عائدات النفط أكثر من 90% من إيرادات الدولة. ويملك العراق واحدًا من أكبر قطاعات التوظيف الحكومي في العالم، إضافة إلى أعداد كبيرة من المتقاعدين، وقد أدت تأخيرات دفع الرواتب في السابق إلى اندلاع احتجاجات جماهيرية. كما توقف الإنتاج في الحقول النفطية التي تعرضت لضربات. ففي إقليم كردستان أوقفت شركة شامران بتروليوم الكندية وشركة HKN الأمريكية الإنتاج في حقلي سرسنك وأتروش. قال فرهاد سليمان بور، محلل سياسي كوردي، لـ أسوشييتد برس: “إذا تعطلت صادرات النفط، فسيكون الأثر الفوري على الأرجح تراجع قيمة الدينار العراقي. وسيؤدي ذلك سريعًا إلى التضخم، وقد ترتفع أسعار السلع الأساسية بشكل حاد خلال وقت قصير”.
وأضاف: “بالنسبة لإقليم كردستان قد يكون الوضع أكثر صعوبة لأنه لا يملك بنكًا مركزيًا خاصًا ولا احتياطيات مالية كبيرة. ربما تستطيع الحكومة الاتحادية تحمل الصدمة لعدة أشهر، لكن الإقليم سيواجه ضغطًا ماليًا فوريًا”.

نقاط ضعف سياسية
منذ انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، بقي العراق بلا حكومة بعد معارضة الولايات المتحدة عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء.
وتعقّد الحرب عملية الانتقال السياسي، حيث اضطرت حكومة تصريف الأعمال ذات الصلاحيات المحدودة إلى إدارة تداعيات الأزمة. لكن هذا الوضع يسمح أيضًا لبعض القادة العراقيين بالتنصل من المسؤولية بحجة أنهم لا يملكون الصلاحيات لاتخاذ قرارات كبيرة، بحسب المحلل العراقي تامر بدوي. وقال: “لا أحد يريد تحمل المسؤولية الكبيرة في الوقت الحالي”. حتى الآن تمكن العراق من تحدي الظروف وتجنب الاضطرابات الإقليمية التي نتجت عن حرب غزة التي بدأت عام 2023. لكن القادة السياسيين والدينيين لا يزالون يؤكدون ضرورة إبقاء البلاد خارج الصراع الإقليمي والحفاظ على الاستقرار.
ويقول المحلل سليمان بور: “يواجه العراق ضغوطًا للحفاظ على الحياد بينما الأطراف السياسية المختلفة داخل البلاد لها مواقف متضاربة إزاء الحرب. فبعض الأطراف تؤيد علاقات أوثق مع إيران، بينما تفضل أخرى تعاونًا أقوى مع الولايات المتحدة والدول الغربية. هذا الانقسام الداخلي يزيد من التوتر السياسي”.
عن أسوشييتد برس

التعليقات معطلة.