هناك سؤال لا يجوز للعراق أن يهرب منه: إذا كان سلاح الفصائل عراقياً، فلماذا تدخل إيران في تحديد مصيره؟
تتحدث التسريبات عن طرح محمد باقر قاليباف، خلال زيارته بغداد، أفكاراً تتعلق بتجميد السلاح الثقيل للفصائل أو نقله مؤقتاً إلى إيران، مع إبقاء السلاح الخفيف في وضع مختلف. ولم يصدر تأكيد رسمي عراقي أو إيراني لكل تفاصيل هذه الطروحات، لكن مجرد طرح الفكرة يفتح باباً أخطر من قضية السلاح نفسها.
السؤال بسيط ومباشر.
من يملك قرار السلاح؟
إذا كان عراقياً، فالدولة العراقية وحدها تقرر أين يُخزن، ومتى يُسلّم، ومن يتولى حيازته. لا يحق لمسؤول إيراني أن يقترح على العراق أين يذهب سلاح موجود على أرضه، ولا كيف تتصرف به فصائل يفترض أنها عراقية القرار.
أما إذا كانت طهران تناقش مع الفصائل مصير السلاح الثقيل، وتقترح نقله إلى الأراضي الإيرانية، فهنا يصبح من حق العراقيين أن يسألوا: ما حجم الارتباط الذي يجعل قرار السلاح العراقي موضوعاً للنقاش في طهران؟
هذه ليست مسألة تقنية تتعلق بالمخازن.
إنها مسألة سيادة.
والأخطر أن هذا الطرح يضع خطاب “الوطنية” الذي ترفعه بعض الفصائل أمام اختبار حقيقي. الوطنية لا تُقاس بالشعارات ولا بالأعلام ولا بالخطب، وإنما بالسؤال عن مرجعية القرار.
إذا كان القرار العسكري عراقياً، فلماذا يحتاج إلى وسيط إيراني؟
وإذا كان السلاح تابعاً للدولة العراقية، فلماذا يكون المكان الطبيعي المقترح لإخفائه أو تخزينه هو إيران؟
وإذا كانت الحكومة العراقية تفاوض على حصر السلاح بيد الدولة، فلماذا تدخل طرف خارجي لتحديد كيفية معالجة هذا السلاح؟
لا نحتاج إلى اتهام أحد حتى نصل إلى السؤال الكبير.
الوقائع نفسها تطرح السؤال.
إن أخطر ما كشفته هذه القضية ليس مكان السلاح، وإنما احتمال أن يكون هناك من يعتقد أن العراق لا يستطيع أن يقرر مصير سلاحه من دون موافقة طهران.
وهنا يجب أن تكون الدولة حاسمة: السلاح العراقي لا يُدار من خارج العراق، ولا يُخزن خارج قرار الدولة، ولا تحدد مصيره عاصمة أجنبية.
الحشد الشعبي له ملف قانوني وسياسي خاص، لكن ذلك لا يعني إطلاقاً أن يصبح سلاحه بديلاً عن الجيش العراقي أو أن تكون هناك قوة عسكرية موازية تمتلك قراراً مستقلاً. الدولة الواحدة لا يمكن أن يكون لها جيشان، ولا يمكن أن يكون قرار الحرب والسلم موزعاً بين بغداد وطهران.
أما الفصائل التي تصر على تقديم نفسها بوصفها قوى وطنية، فعليها أن تجيب بوضوح:
هل قرار سلاحها عراقي بالكامل؟
لأن الوطنية لا تُثبتها البيانات.
الوطنية تُثبت عندما تكون بغداد هي صاحبة القرار الوحيد.
وإذا كانت طهران تستطيع أن تقترح أين يذهب السلاح ومتى يُجمّد وكيف يُدار، فالمشكلة لم تعد مشكلة سلاح فقط.
المشكلة أن جزءاً من القرار العراقي ما زال يبحث عن عنوانه خارج العراق.

