إلى كل من ينتظر التغيير في العراق من الخارج

4

 

 

هذا النص ليس توصيفا لحظة عابرة، بل محاولة لقراءة معادلة طويلة أعادت تشكيل الدولة والسياسة والمجتمع معا. هو ليس دعوة للتشاؤم، ولا خطابا نهائيا عن المصير، بل تفكيك لطريقة اشتغال واقعٍ يُدار فيه التغيير أكثر مما يُسمح له أن يحدث.

 

 

في العراق، لا يُمنح التغيير….. بل يُدار بحيث ان لا يحدث

في العراق، لا يُؤجَّل التغيير، بل يُدار تأجيله.

ليس لأن الظروف لا تنضج، بل لأن القواعد صُممت كي لا تسمح له أن تنضج.

الحقيقة الأقسى ياعراقيين أن النظام السياسي الحالي لم يولد كتوازن داخلي طبيعي، بل نتيجة مصالح دولية وإقليمية معقدة، ثم استمر ضمن معادلة غير معلنة: صراع في العلن، وتفاهم على منع الانهيار في العمق. فكانت النتيجة دولة تعمل ضمن سقف “مسموح به” أكثر مما تعمل ضمن إرادة ذاتية كاملة.

من هنا، تشكّلت طبقة سياسية لا تُقاس بالكفاءة، بل بالقدرة على إدارة التوازنات والمصالح . ومع الوقت، لم يعد الفشل استثناءً، بل أصبح نمطا مألوفا ، الوزارات تتحول إلى حصص للنفوذ، والمناصب إلى أدوات تمويل، والعقود إلى شبكات بقاء. في لحظة ما ، ولم تعد الدولة تُدار كمنظومة خدمة عامة، بل كسوق مغلق لإعادة توزيع القوة والمال .

الأخطر أن هذا النمط لم يتوقف عند السياسة، بل تسلل إلى المجتمع نفسه ،

الفساد لم يعد استثناءً، بل سلوكًا مُتطبعا في مؤسسات كثيرة.

المحاصصة لم تعد أزمة، بل قاعدة غير مكتوبة.

وفي سوق عمل مختل، لم يعد النجاح يُقاس بالكفاءة، بل بالقرب من مركز القرار.

في المقابل، لم يكن العالم خارج هذه المعادلة.

الولايات المتحدة تنظر إلى الاستقرار كأولوية تتقدم على الإصلاح السريع.

إيران ترى في العراق عمقًا استراتيجيًا لا يمكن خسارته.

وقوى أخرى تتعامل مع الواقع القائم بوصفه “أقل كلفة ممكنة” لحماية مصالحها.

وهكذا يُصبح الاستقرار القابل للإدارة أكثر أهمية من التغيير غير المضمون.

لكن هذا لا يُلغي مسؤولية الداخل.

القوى الرافضة لهذا المسار تمتلك مشروعية أخلاقية واضحة، لكنها تعاني من تشتت في الرؤية، وغياب قيادة جامعة، وضعف أدوات التنظيم. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنها فرضت في محطات مثل احتجاجات تشرين خطابًا مختلفًا، كشف حدود النظام، لكنه لم يتحول إلى مشروع مستدام.

وفي المقابل، كانت لحظة تشرين مثالًا واضحًا على طبيعة المعادلة:

حراك شعبي واسع، قوبل بعنف شديد، سقط فيه مئات الضحايا، ثم عاد المشهد تدريجيًا إلى التوازن القديم. لم يكن ذلك مجرد حدث أمني، بل رسالة سياسية غير مباشرة: سقف التغيير يُحدد داخل معادلة أكبر من الشارع وحده.

السبب في ذلك ليس غامضا: البديل غير المكتمل يُخيف أكثر من النظام المألوف، حتى لو كان مأزومًا. لذلك يُسمح بهامش اعتراض، ما دام لا يهدد البنية الأساسية للتوازن.

إذن، ماذا يعني ذلك لمن ينتظرون التغيير؟

أولًا: التغيير لن يأتي من داخل نفس القواعد.

تغيير الوجوه دون تغيير قواعد اللعبة لا يُنتج سوى إعادة تدوير للأزمة.

ثانيًا: الغضب وحده لا يكفي.

التأثير السياسي لا يُبنى على الرفض، بل على التنظيم.

ثالثًا: البديل يحتاج إلى بنية لا إلى شعارات.

وهنا تظهر الحاجة إلى: رؤية واضحة، قيادة مسؤولة، وأدوات ضغط مدنية منظمة قادرة على تحويل المطالب إلى قوة فعل.

رابعًا: تسمية الأشياء بأسمائها.

ما يجري ليس فقط سوء إدارة، بل خلل في تعريف الدولة نفسها ووظيفتها.

ولهذا اقول بصراحة متيقنة من يستسلم للخارج ….. يسلّم الداخل طوعاً.

التعليقات معطلة.