ليست المشكلة في استرداد الأموال المنهوبة، فذلك حق للدولة والمجتمع، ولا يمكن لعاقل أن يعترض عليه. لكن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح هو: هل يكفي استرداد المال لتحقيق العدالة، أم أن العدالة تقتضي أيضا أن يبقى القانون قادرا على الردع؟
إن أي سياسة لمكافحة الفساد تُقاس بقدرتها على منع الجريمة قبل وقوعها، لا بقدرتها على استعادة جزء من آثارها بعد وقوعها.
فالفساد ليس صفقة مالية خاسرة، بل جريمة اعتداء على الدولة والشعب. والأموال المنهوبة ليست سوى أحد أوجه الضرر، أما الوجه الآخر فهو إضعاف مؤسسات الدولة، وتعطيل التنمية، وتكريس ثقافة الإفلات من المحاسبة.
ولهذا، فإن أي إجراء قد يُفهم منه أن إعادة الأموال يمكن أن تؤدي إلى تخفيف العقوبة أو الإجراءات، يثير سؤالًا مشروعا حول أثره في قوة الردع. فالردع هو الذي يجعل الموظف أو المسؤول يفكر ألف مرة قبل أن تمتد يده إلى المال العام.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل من يفكر بالفساد يجب أن تكون واضحة: الاعتداء على المال العام جريمة لها ثمن قانوني، واسترداد الأموال لا يمحو الجريمة، بل يزيل جزءًا من آثارها.
أما إذا تشكل انطباع بأن أقصى ما قد يواجهه الفاسد هو إعادة ما استولى عليه، فإن ذلك قد يشجع بعض ضعاف النفوس على المجازفة، لأنهم سيقارنون بين احتمال الربح الكبير واحتمال إعادة المال إذا انكشف أمرهم.
الدول التي نجحت في محاربة الفساد لم تبنِ نجاحها على التسويات وحدها، بل على معادلة متوازنة تجمع بين استرداد المال العام، والمساءلة القانونية، والعقوبة الرادعة. فهذه العناصر ليست بدائل بعضها عن بعض، بل هي أركان سياسة واحدة.
إن العراق اليوم بحاجة إلى ترسيخ هيبة القانون، لأن معركة الفساد ليست معركة مالية فحسب، بل هي معركة على مستقبل الدولة نفسها. وكل سياسة في هذا المجال يجب أن تعزز الردع، لا أن تترك مجالًا لتفسير قد يفهم منه أن الفساد أصبح مخاطرة يمكن احتساب نتائجها والافلات منها .
فاجتثاث الفساد لا يتحقق باستعادة الأموال وحدها، بل ببناء يقين راسخ لدى الجميع بأن المال العام ليس مجالًا للمساومة، ولا الجريمة محل تفاوض، ولا القانون بابا للإفلات من المسؤولية.

