“الإطار” يواجه “القرارات القصوى”.. أيلول آخر موعد لتفكيك الفصائل

2

 

بعد 9 سنوات على الإعلان الأول: “العصائب” تعود لنزع سلاحها مجدداً!

 

بغداد/ تميم الحسن

 

دخلت القوى السياسية الشيعية العملية مرحلة التحسب للمفاجآت الكبرى، إذ بدأ “الإطار التنسيقي” في اجتماعه الأخير التكيف مع سيناريوهات الصدام المحتمل مع بعض الفصائل المسلحة التي ترفض نزع السلاح أو التخلي عن المناصب.

وفي كواليس الاجتماع الذي عقد مساء الاثنين في منزل رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، كانت تسريبات مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، توماس باراك، تخيم على أجواء اللقاء الذي سادته حالة من “عدم الارتياح” جراء ترجيحات بتصاعد الاشتراطات الأميركية الصارمة.

ووافق “الإطار التنسيقي” مجبراً على إجراءات “حصر السلاح” و”فك ارتباط” هيئة الحشد الشعبي بالأحزاب بمدة أقصاها أيلول المقبل مع انسحاب كامل للتحالف الدولي من البلاد، وهي مواقف، وإن بدت تكرارية لما أعلنته الحكومات السابقة، إلا أنها وضعت التحالف الشيعي أمام اختبار غير مسبوق في أعقاب “فيتوات أميركية” بدأت منذ عام تقريباً، واستهدف تحجيم دور الحشد، والتضييق على رواتبه، وإقصاء الفصائل عن الكابينة الحكومية.

حل الحشد أم دمج مدني- عسكري؟

وتنقل مصادر متقاطعة لـ”المدى” أن إشارات باراك بلغت قادة الإطار، ومفادها أن واشنطن لن ترضى بنزع السلاح الشكلي، بل تدفع باتجاه “حل الحشد الشعبي”، مع رفض قاطع لدمجه في المؤسسات الأمنية الأخرى نتيجة حدوث خروقات، والتي كان آخرها حادثة “مديرية الزراعة في السيدية” صيف 2025.

وفي تفصيله لهذا التراجع، يرى أستاذ الدراسات الدولية والاستراتيجية بجامعة بغداد، إحسان الشمري، أن الإطار التنسيقي – ومعه الأجنحة السياسية للفصائل – قدم تنازلات هائلة بضغط أميركي مباشر، بدأت بسحب قانون الحشد وقانون التقاعد الخاص به، وصولاً إلى الإقرار بملف حصر السلاح كأولوية.

ويضيف الشمري في حديثه لـ”المدى”: “هذا التراجع سيدفع واشنطن إلى اتخاذ قرارات تصاعدية ضمن سياسة “القرارات القصوى” لاستعادة العراق. وقد تحاول بغداد طرح خيار الدمج أو تحويل الحشد إلى مسار عسكري – مدني مشترك كمقاربة توازن، لكن الثابت أن “الإطار” يبدي مرونة وتنازلات متتالية استجابة لضغوط واشنطن”.

وثيقة العصائب والتمرد الرافض

وعلى جبهة القوى المستعدة لإلقاء السلاح، والتي تضم عصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، وكتائب سيد الشهداء، وثأر الله، وكتائب الإمام علي، سارعت “العصائب” إلى الإعلان عن تشكيل لجنة مركزية لفك الارتباط بتشكيلات الحشد وجرد الأفراد والآليات تمهيداً للتنظيم المباشر مع القائد العام للقوات المسلحة. وفي هذا السياق، يرى القيادي في الحركة حسين شيخان، أن زعيمها قيس الخزعلي كان قد فك ارتباطه بالمقاتلين منذ عام 2017.

وفي محاولة للمناورة السياسية وحماية الهيئة، أكد الإطار في بيانه الختامي أن الحشد “مؤسسة أمنية رسمية ملتزمة بالدستور وبأوامر القائد العام”، معلناً تفويض رئيس الوزراء علي الزيدي باتخاذ الإجراءات الكفيلة بحفظ مصالح البلاد العليا وحصر السلاح بيد الدولة.

وفي المقابل، جابهت فصائل أخرى مثل “كتائب حزب الله”، و”النجباء”، وجماعة “أصحاب الكهف” هذه الإجراءات بالرفض والسخرية، إذ اعتبرت الأخيرة في بيان لها أن الاستناد إلى توجيهات المرجعية الدينية في هذا المسار هو “كلمة حق يُراد بها باطل”. بينما حاول رئيس تيار الحكمة، عمار الحكيم، ترحيل الأزمة، مؤكداً في مؤتمر صحفي بالنجف أن فصائل المقاومة تنتظر شهر أيلول المقبل، موعد انتهاء مهمة التحالف الدولي، لحسم ملف السلاح نهائياً.

ولا يبدو التوافق داخل “الإطار التنسيقي” تاماً حيال المفاهيم الحاكمة لهذا التحول، إذ ترفض أغلب قوى التحالف الشيعي التماهي مع “التصنيف الأميركي” لهوية الفصائل المسلحة وأدوارها.

وبالرغم من إقرار الإطار بضرورة نزع السلاح، إلا أن أدبياته السياسية لا تزال ترى في هذه الفصائل جزءاً لا يتجزأ من بنية “الحشد الشعبي” كقوة شرعية تابعة للدولة، معتبرة أن الجزء الأكبر منها قد انخرط فعلياً في العمل المؤسساتي، باستثناء قلة قليلة لا تزال تتحرك خارج المنظومة الرسمية، متمسكة بما تصفه بـ”حق المقاومة”.

“اجتثاث” الفصائل

المفاجأة الأكبر التي يتحسب لها الإطار، لن تتوقف عند السلاح الشكلي، بل تمتد إلى شكل الدولة ومستقبل الحكومة الشاغرة، حيث ترفض واشنطن منح أي حقيبة وزارية لأحزاب مسلحة حتى لو سلمت سلاحها، مما يعرقل استكمال الكابينة الوزارية التي تمتلك فيها الفصائل 5 وزارات على الأقل.

وكشفت مصادر مطلعة لـ”المدى” عن “عاصفة تغييرات” مرتقبة تقود إلى ما يشبه “اجتثاث الفصائل” من الإدارات العليا للدولة، إذ من المتوقع أن يطال الإقصاء الأميركي نحو 3 آلاف موظف من أصحاب الدرجات الخاصة والمناصب الحساسة في السلك الدبلوماسي والمؤسسات العسكرية والمالية والهيئات المستقلة، بذريعة ارتباطهم بجهات محظورة.

وترتبط المخاوف من أن خطوة نزع سلاح الفصائل الخمسة – والتي يُفترض دخولها حيز التنفيذ الفعلي – لن تكون جواز مرور كافياً لإنهاء “الفيتو” الأميركي الذي يجمد استكمال الكابينة الوزارية الشاغرة.

وتتحدث قيادات بارزة في “الإطار التنسيقي” عن مخاوف حقيقية من عدم وقوف إدارة ترامب عند عتبة “التجريد الشكلي” للسلاح، بل إنها تتحرك لفرض “حل الهيئة” بالكامل كأحد فصول صراعها الشامل مع طهران.

وترى أوساط وثيقة الصلة بالتحالف الشيعي أن المبعوث الرئاسي توماس باراك، الذي تسلم خيوط الملف العراقي عملياً في شباط الماضي عقب الاختفاء الغامض لسلفه مارك سافيا، قد جاء إلى بغداد بمهام محددة لتنفيذ هذا المخطط الاستئصالي، على الرغم من محاولات بعض القوى الشيعية نفي وجود إملاءات أميركية بهذا الحجم.

هذا الحصار الأميركي يتزامن مع اندفاعة قوية لرئيس الوزراء علي الزيدي مستنداً إلى مظلة زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، الذي زاره الزيدي في الحنانة قبل أيام قليلة، حيث اشترط الصدر إنهاء مهلة الـ90 يوماً بتفكيك الفصائل وملاحقة حيتان الفساد مقابل استمرار دعمه للحكومة، مما يضع الزيدي في قلب حقل ألغام سياسي بمواجهة قوى مسلحة تمتلك أكثر من 100 مقعد برلماني، وتجد نفسها اليوم مهددة بالإقصاء التام من مفاصل الدولة المدنية والعسكرية على حد سواء.

“تفويض الزيدي ليس مطلقاً”

وفي هذا السياق، يستبعد رئيس مركز التفكير السياسي، إحسان الشمري، وجود رابط لدى “الإطار التنسيقي” بين ملف حصر السلاح واستكمال الكابينة الوزارية، معتبراً أن التفويض الذي منحه الإطار لرئيس الوزراء علي الزيدي لا يمثل دعماً مطلقاً. ويذكّر الشمري بأن الإطار سبق أن وافق على برامج حكومية مماثلة في عهدي الكاظمي والسوداني دون قناعة حقيقية بتنفيذها.

ويوضح الشمري أن قوى الإطار لا تزال تفصل بين الملفين لسببين رئيسيين:

أولاً، العامل الإقليمي والدولي: إن قرار حصر السلاح ليس بيد الإطار وحده، بل هو قرار مركب ومحكوم بمعادلة الضغط الأميركي من جهة، والقرار الإيراني من جهة أخرى، وما يفعله الإطار هو محاولة لإظهار نفسه بمظهر اللاعب المؤثر في هذا المسار.

ثانياً، منطق المحاصصة: ينظر التحالف الشيعي إلى تشكيل الحكومة بوصفه استحقاقاً انتخابياً خاضعاً للمحاصصة السياسية، لذا فهو يتحاشى ربط مكاسبه الوزارية بملف السلاح الشائك.

ويخلص الشمري إلى أن الفيتو الأميركي هو الذي يفرض الربط القسري اليوم، إذ لا تكتفي واشنطن بمنع الفصائل من نيل وزارات، بل تدفع نحو “إقصاء شامل” لأجنحتها السياسية والشخصيات المحسوبة عليها من المناصب المدنية العليا والدرجات الخاصة. هذا الاشتراط الصارم يعني – بحسب الشمري – أن استكمال الكابينة الوزارية ومنحها الثقة سيدخل نفقاً طويلاً ومعقداً، رغم مساعي القوى السياسية للمضي في استكمالها وفقاً لخطط بديلة.

التعليقات معطلة.