دينا عبد الفتاح
«مصر لا تحتاج إلى مجرد نمو اقتصادى، بل إلى نمو حقيقى يتراوح بين 7 و8٪ سنويًا لمدة خمس إلى سبع سنوات متواصلة إذا أرادت تغيير واقعها الاقتصادى بصورة جذرية.. هذا ليس رقمًا للزينة، بل الحد الأدنى القادر على خلق الوظائف، ورفع دخول المواطنين، وخفض عبء الدين، وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجى..
لكن هذا النمو لن يولد من الاقتراض، ولا من بيع الأصول، ولا من التوسع فى الإنشاءات، ولا من التدفقات المالية المؤقتة، إنه لا يولد إلا من اقتصاد حقيقى يقوم على الصناعة، والتصدير، والتكنولوجيا، والاستثمار الخاص، والإنتاجية..
الفارق بين اقتصاد ينجح واقتصاد يتعثر ليس فى معدل النمو وحده، لكنْ فى مصدر هذا النمو، فهناك اقتصاد يشترى الوقت، واقتصاد آخر يصنع المستقبل»…
تقديرات عدد من خبراء الاقتصاد وبنوك الاستثمار تشير إلى أن مصر بحاجة للحفاظ على معدل نمو حقيقى يتراوح بين 7 و8٪ سنويًا لمدة لا تقل عن خمس إلى سبع سنوات متواصلة إذا أرادت أن تنتقل من مرحلة استعادة الاستقرار إلى مرحلة النمو الاقتصادى المستدام..
فهذا المستوى من النمو لا يمثل مجرد رقم أعلى فى الناتج المحلى، بل يعكس قدرة الاقتصاد على تحقيق أهداف عديدة فى الوقت نفسه: استيعاب مئات الآلاف من الداخلين الجدد إلى سوق العمل كل عام، وزيادة متوسط دخل الفرد، وخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلى، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتقليل الاعتماد على التمويل الخارجى بوصفه مصدرًا دائمًا لتغطية الاحتياجات الدولارية..
فى المقابل، تظل معدلات النمو الحالية التى تدور حول 4٪ أو 5٪، رغم أهميتها فى تحسين النشاط الاقتصادى واستعادة قدر من التوازن، أقرب إلى معدلات تثبيت منها إلى معدلات تحول اقتصادى، فهى تساعد على منع التراجع، وتحسن بعض المؤشرات الكلية، لكنها لا تمتلك وحدها القدرة على معالجة الاختلالات الهيكلية التى تراكمت على مدار سنوات، ولا تسمح بتقليص عبء الدين بالسرعة المطلوبة، ولا تحقق القفزة اللازمة فى الإنتاجية أو فى مستويات الدخل الحقيقى، لذلك فإن الفارق بين نمو يبلغ 5٪ وآخر يقترب من 8٪ ليس فارقًا حسابيًا، بل هو الفارق بين اقتصاد ينجح فى إدارة ضغوطه، واقتصاد يبدأ فى تغيير بنيته بصورة دائمة..
لكن الوصول إلى هذه المعدلات لا يتحقق بمجرد زيادة الإنفاق أو التوسع فى الإنشاءات أو الاعتماد على الاقتراض والتدفقات المالية قصيرة الأجل، فهذه الأدوات قد تدفع الناتج المحلى إلى الارتفاع لفترة، لكنها لا تؤسس لقدرة إنتاجية مستمرة، ولا تنتج مصادر دائمة للنقد الأجنبى، ولا تقلل احتياج الاقتصاد إلى تمويل خارجى جديد كلما تعرض لصدمة.. لذلك تميز الأدبيات الاقتصادية بوضوح بين النمو الناتج عن التوسع المالى أو النقدى، والنمو الذى يقوده الاقتصاد الحقيقى؛ أى الصناعة التحويلية، والصادرات، والزراعة الحديثة، والخدمات التكنولوجية، والسياحة مرتفعة القيمة، والطاقة، والخدمات اللوجيستية، وهى القطاعات التى ترفع الإنتاجية وتولد قيمة مضافة وتتيح وظائف مستقرة..
التحسن الذى حققته الدولة فى معدلات النمو الفترة الماضية لا يعنى بالضرورة أن الاقتصاد أصبح قائمًا على أسس أكثر صلابة، فجزء معتبر من الاستقرار الحالى جاء نتيجة تدفقات مالية خارجية، شملت تمويلات من المؤسسات الدولية، واستثمارات خليجية، وصفقات أصول، وعودة المستثمرين إلى أدوات الدين المحلية، وهى عوامل ساعدت على استعادة السيولة الدولارية وتحسين المؤشرات المالية.. إلا أن هذه التدفقات تختلف بطبيعتها عن الإيرادات التى يولدها الاقتصاد الحقيقى، فالقرض ينتهى أثره بمجرد إنفاقه، والأموال قصيرة الأجل يمكن أن تغادر بالسرعة نفسها التى دخلت بها، بينما يبقى المصنع الذى يصدر، أو شركة التكنولوجيا التى تقدم خدمات للأسواق الخارجية، أو المشروع الذى يحل محل الواردات، مصدرًا دائمًا للإنتاج والدخل والعملات الأجنبية..
ومن كل هذا فان السؤال الطبيعى الذى يطرح نفسه يصبح: كيف تنتقل دولة من اقتصاد يقوده التمويل إلى اقتصاد يقوده الإنتاج؟ الإجابة لا تبدأ بقرض جديد، ولا بحزمة تحفيز مؤقتة، وإنما بإعادة ترتيب أولويات النمو نفسها.. فجميع التجارب الاقتصادية الناجحة، من شرق آسيا إلى أوروبا الشرقية، مرت بمرحلة تثبيت اقتصادى شبيهة بما تمر به مصر اليوم، لكن الدول التى استطاعت تحويل هذا التثبيت إلى نمو مستدام كانت هى التى نجحت فى بناء قاعدة إنتاجية أوسع من قاعدة التمويل.
ولهذا السبب تؤكد المؤسسات الدولية باستمرار أن المرحلة التالية بالنسبة لمصر ليست مرحلة زيادة الاقتراض، وإنما مرحلة رفع الاستثمار المنتج.. والفارق بين الاثنين كبير، فالاقتراض يوفر سيولة، أما الاستثمار المنتج فيولّد أصلًا اقتصاديًا جديدًا ينتج دخلًا عامًا بعد عام.. وعندما يُستخدم التمويل فى إنشاء مصنع، أو تطوير سلسلة صناعية، أو زيادة الصادرات، أو إدخال تكنولوجيا جديدة، فإنه يتحول من دين إلى قدرة إنتاجية، أما إذا ظل التمويل موجهًا بالأساس إلى سد الفجوات قصيرة الأجل، فإن الاقتصاد يحتاج بعد سنوات قليلة إلى تمويل جديد، لتبدأ الدورة من جديد..
من هنا تأتى الأولوية الأولى: زيادة مساهمة القطاع الخاص فى الاستثمار والإنتاج، فالقطاع الخاص ليس مجرد ممول إضافى للاقتصاد، بل هو الطرف الأكثر قدرة على الابتكار، ورفع الكفاءة، والاستجابة لتغيرات الأسواق العالمية، ولذلك لا تقاس قوة الاقتصاد بعدد المشروعات التى تنفذها الدولة، وإنما بحجم الاستثمارات التى يضخها المستثمر المحلى والأجنبى دون أن تعتمد على دعم استثنائى أو ضمانات دائمة، وكلما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص فى الناتج والاستثمار والتشغيل، أصبح النمو أكثر استدامة وأقل اعتمادًا على الإنفاق الحكومى.
الأولوية الثانية هى تغيير هيكل الصادرات، فليس المهم فقط أن ترتفع قيمة الصادرات، بل أن ترتفع الصادرات التى تحمل قيمة مضافة مرتفعة.. الاقتصادات التى استطاعت تحقيق معدلات نمو تتجاوز 7٪ لسنوات طويلة لم تعتمد على تصدير المواد الخام، وإنما على الصناعة، والتكنولوجيا، والخدمات، والمنتجات التى تعتمد على المعرفة، وكل زيادة فى هذه القطاعات تعنى زيادة مستقرة فى الإيرادات الدولارية، وتقليلًا تدريجيًا للعجز الخارجى، وتحسنًا فى قدرة الاقتصاد على تمويل نفسه بنفسه.
أما الأولوية الثالثة فتتمثل فى رفع الإنتاجية، فالنمو الحقيقى لا يتحقق بمجرد زيادة عدد العاملين أو حجم الإنفاق، وإنما عندما ينتج العامل الواحد قيمة أكبر فى الساعة نفسها، وعندما تنتج الآلة الواحدة كمية أكبر بالجودة نفسها أو أفضل، ولهذا ترتبط الإنتاجية بجودة التعليم، والتدريب الفنى، والتحول الرقمى، والبحث والتطوير، وكفاءة الإدارة، وسهولة انتقال التكنولوجيا.. وكلها عناصر لا تظهر نتائجها خلال عام واحد، لكنها هى التى تحدد قدرة الاقتصاد على المنافسة بعد عشر سنوات.
وفى المقابل، يبقى الحفاظ على الاستقرار الكلى شرطًا لا يمكن الاستغناء عنه، فلا يمكن جذب استثمارات طويلة الأجل فى ظل تضخم مرتفع أو تقلبات حادة فى سعر الصرف أو عجز مالى متزايد. ولذلك فإن الإصلاح الهيكلى لا يحل محل الاستقرار المالى، كما أن الاستقرار المالى لا يغنى عن الإصلاح الهيكلى.. الأول يمنع الاقتصاد من السقوط، والثانى يمنحه القدرة على التقدم، وعندما يعمل الاثنان معًا، تتحول المؤشرات الإيجابية من تحسن مؤقت إلى اتجاه طويل الأجل..
فالاقتصادات لا تُقاس بلحظة انتعاش، وإنما بقدرتها على الحفاظ على مسار طويل من التوسع والإنتاج، ولهذا فإن الحكم الحقيقى على نجاح التجربة المصرية لن يصدر من بيان حكومى، ولا من تقرير مؤسسة دولية، وإنما من مجموعة مؤشرات موضوعية إذا تحققت معًا، أمكن القول إن الاقتصاد انتقل بالفعل من مرحلة التثبيت إلى مرحلة التنمية المستدامة.
أول هذه المؤشرات هو أن تصبح الصادرات السلعية والخدمية المحرك الرئيسى للنقد الأجنبى، بحيث تنمو بصورة منتظمة بوتيرة أسرع من الواردات، ويبدأ العجز الخارجى فى الانخفاض نتيجة زيادة الإنتاج، لا نتيجة تراجع الاستهلاك أو القيود على الاستيراد، وثانيها أن يرتفع الاستثمار الخاص عامًا بعد عام، وأن يصبح المصدر الأكبر لتكوين رأس المال وخلق فرص العمل، بينما يتراجع اعتماده على الحوافز الاستثنائية أو الضمانات الحكومية..
أما المؤشر الثالث، فيتمثل فى انخفاض تدريجى ومستمر لنسبة الدين العام إلى الناتج المحلى، مع تراجع تكلفة خدمة الدين كنسبة من الإيرادات العامة، بما يسمح بتوجيه جزء أكبر من موارد الدولة إلى الاستثمار فى الإنسان والبنية الأساسية، بدلًا من توجيهها إلى سداد الفوائد.
ويأتى بعد ذلك استقرار التضخم عند مستويات منخفضة لسنوات عدة متتالية، لا نتيجة ركود اقتصادى، وإنما نتيجة زيادة الإنتاج وتحسن كفاءة الأسواق، وعندما يتحقق ذلك، يصبح خفض أسعار الفائدة قرارًا طبيعيًا، فتتراجع تكلفة التمويل، ويزداد إقبال الشركات على الاستثمار، ويتوسع القطاع الخاص بصورة تلقائية.. وفى الوقت نفسه، يصبح استقرار سعر الصرف نتيجة لقوة الاقتصاد وقدرته على توليد النقد الأجنبى، وليس نتيجة لتدفقات مؤقتة أو إجراءات استثنائية، وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة، لن يصبح السؤال الدائم: من أين سنوفر الدولار؟ بل: كيف نستثمر الفائض فى توسيع الإنتاج وفتح أسواق جديدة؟
ويبقى المؤشر الأكثر أهمية، وربما الأكثر صدقًا، هو ما يشعر به المواطن نفسه، فالنمو الحقيقى لا يكتمل عندما ترتفع أرقام الناتج المحلى أو الاحتياطى النقدى فقط، وإنما عندما تتحسن القوة الشرائية، وترتفع الدخول الحقيقية، وتزداد فرص العمل المنتجة، ويصبح تأسيس مشروع جديد أسهل من البحث عن وظيفة حكومية، ويجد المستثمر أن المنافسة تقوم على الكفاءة لا على الامتيازات، عندها فقط تتحول الأرقام الاقتصادية إلى واقع ينعكس على مستوى المعيشة، وتصبح التنمية محسوسة، لا مجرد مؤشرات فى التقارير.
ولهذا فإن مستقبل الاقتصاد المصرى لن تحدده القروض المقبلة، ولا صفقة استثمارية جديدة، ولا حتى معدل النمو فى عام واحد.. الذى سيحدد هذا المستقبل هو نجاح الدولة فى تحويل مرحلة التثبيت المالى التى تحققت خلال السنوات الأخيرة إلى اقتصاد يقوده الإنتاج، والاستثمار، والابتكار، والتصدير، فإذا نجحت فى ذلك، فإن معدلات النمو المرتفعة ستكون نتيجة طبيعية، لا هدفًا فى ذاته، وسيصبح الاستقرار الاقتصادى حالة دائمة، لا استراحة مؤقتة بين أزمتين.

