الفصائل تشتكي من “اجتثاث سياسي”
بغداد / تميم الحسن
لا يبدو أن “الإطار التنسيقي”، على الأقل الجزء الأكبر منه، قد نسي ما فعله محمد شياع السوداني خلال العامين الأخيرين من ولايته. داخل التحالف الشيعي ثمة من يتحدث اليوم عن “محاولة تأديب سياسية” لرئيس الحكومة المنتهية ولايته، عبر تقليص حصته في الحكومة الجديدة، بعدما خرج، وفق خصومه، عن قواعد اللعبة التي حكمت البيت الشيعي بعد انتخابات 2021.
وفي الكواليس، لا يبدو الصراع محصوراً بالسوداني وحده، بل يمتد إلى شكوك متنامية حيال رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي، الذي صعد سريعاً إلى الواجهة، وباتت بعض قوى “الإطار” تخشى أن يتحول إلى نسخة مبكرة من “تمرد السوداني”، لكن بوتيرة أسرع هذه المرة، خصوصاً بعد انكشاف حجم الدعم الخارجي الذي يحظى به، ولا سيما من واشنطن.
وبين “الحرس القديم” المتمسك بالمواقع، والفصائل الرافضة للإقصاء، والطموحات الأميركية بإعادة رسم شكل السلطة، تبدو مفاوضات تشكيل الحكومة وقد دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، دفعت طهران إلى التدخل المباشر عبر إعادة إرسال إسماعيل قاآني، قائد “فيلق القدس”، إلى بغداد مرتين خلال أقل من شهر.
“كعكة” تتفكك
حتى الآن، لا يبدو أن “الإطار التنسيقي” اقترب فعلياً من حسم أسماء الوزراء، رغم أن الزيدي قدّم منهاجه الحكومي إلى البرلمان الأسبوع الماضي.
ويقول حسن فدعم، القيادي في تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، لـ(المدى) إن “أي حقيبة لم تُحسم حتى الآن”، في إشارة إلى حجم الاشتباك داخل التحالف الشيعي حول توزيع المناصب.
وكان البرلمان قد هيأ قاعته لجلسة منح الثقة، وسط تقديرات بأن تُعقد مطلع الأسبوع الحالي، قبل أن تتراجع التوقعات سريعاً، مع حديث عن احتمال تأجيلها إلى ما بعد عطلة العيد، أواخر أيار أو مطلع حزيران المقبل.
وخلال الأسبوعين الأخيرين، كانت المفاوضات تسير بهدوء نسبي، قبل أن تنفجر الخلافات فجأة، وتتحول من نقاش حول الحصص إلى معركة مفتوحة على النفوذ، استدعت تدخلاً إيرانياً سريعاً.
معاقبة السوداني
داخل أوساط السوداني، ثمة شعور بأن الرجل يتعرض لـ”إقصاء منظم”، رغم أن تحالفه “الإعمار والتنمية” يمتلك أكثر من خمسين مقعداً.
ويطالب فريق السوداني بخمس وزارات على الأقل، بينها حقائب سيادية، وفي مقدمتها وزارة النفط، التي تحولت إلى مركز الاشتباك الأبرز مع جناح نوري المالكي.
ويستخدم مشرق الفريجي، القيادي في “الإعمار والتنمية”، لغة شديدة الحدة لوصف ما يجري داخل البيت الشيعي، مستعيداً عبارة ارتبطت بسنوات احتكار السلطة في عهد المالكي.
ويقول الفريجي في تغريدة على “إكس”: “يقتلون الفوز والديمقراطية والنظام السياسي، وممكن يقتلوك ويقتلوني إذا فكرت تأخذها منهم، وبمبدأ: أكو واحد ياخذها حتى ننطيها؟!”.
ويعتبر الرجل أن تمرير الحكومة “لن يتم من دون ختم السوداني”، ملوحاً بإمكانية انتقال الأخير إلى المعارضة إذا جرى تقليص حصته.
وتعتقد أوساط شيعية أن السوداني يدفع اليوم ثمن خروجه عن تفاهمات “الإطار” بعد انتخابات 2021 و2025، بعدما قرر تشكيل ائتلاف سياسي خاص وخوض الانتخابات منفرداً، خلافاً لما كان متفقاً عليه داخل التحالف.
لكن المخاوف نفسها بدأت تتكرر حيال علي الزيدي، الذي تنظر إليه بعض القوى الشيعية باعتباره مشروع “رئيس حكومة مستقل أكثر من اللازم”، خصوصاً بعد الدعم الأميركي المفاجئ له، والغموض الذي لا يزال يحيط بكيفية صعوده السريع.
صراع الحصص
يقول إحسان الشمري، أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، لـ(المدى)، إن التباطؤ في تشكيل الحكومة يعود إلى “الخلافات والانقسامات والصراع على الحقائب الوزارية داخل الإطار التنسيقي، فضلاً عن عودة الجدل بشأن الاستحقاقات الانتخابية”.
ويضيف أن “الخلافات داخل البيت السني، بين المجلس السياسي الوطني وتحالف عزم بزعامة مثنى السامرائي، وكذلك الخلافات الكردية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، ما زالت تلقي بظلالها على ملف توزيع الوزارات”.
وكان “المجلس السياسي الوطني”، الذي يضم القوى السنية الرئيسية، وبينها خميس الخنجر ومحمد الحلبوسي، قد أعلن رفضه “أي تدخل من أطراف خارج المكون” في ملف استحقاقاته الوزارية، مؤكداً إرسال أسماء مرشحيه إلى رئيس الوزراء المكلف.
ويُفترض أن يحصل هذا التكتل على خمس وزارات من أصل 6 مخصصة للمكون السني، فيما يبدو مثنى السامرائي خارج التفاهمات، بعدما قدم قائمة منفصلة لوزاراته، ويبحث عن منصب نائب رئيس الوزراء خارج الحصص الوزارية التقليدية.
ويرى الشمري أن تمسك “الأحزاب التقليدية” بوجوه قديمة لإدارة الوزارات ساهم أيضاً في تعقيد المشهد، موضحاً أن الزيدي “يحاول الدفع باتجاه شخصيات جديدة، لكن القوى السياسية تصر على إعادة تدوير أسماء سبق أن شاركت في حكومات سابقة”.
وتشير تسريبات إلى أن أحمد الأسدي، وزير العمل الحالي والمقرب من فريق السوداني، يرفض مغادرة منصبه، رغم وجود انتقادات لأدائه خلال السنوات الثلاث الماضية.
ويواجه الأسدي اعتراضات مزدوجة، فهو من جهة يُصنف ضمن “الحرس القديم”، ومن جهة أخرى يُعد من قيادات الفصائل المسلحة، ما قد يضعه أمام “فيتو” أميركي، وهو وضع مشابه لما يواجهه فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي، الذي يطالب أيضاً بمنصب جديد، رغم كونه من أقدم المسؤولين الذين استمروا في مواقعهم منذ 2004 من دون انقطاع.
عقدة الفصائل
في المقابل، لم يطلق علي الزيدي أي تصريحات واضحة بشأن طبيعة حكومته أو هوية الوزراء الذين ينوي اختيارهم، باستثناء حديث مقتضب عقب تكليفه أبدى فيه استعداده “لإشراك الجميع”.
وما زال موقف الزيدي من الفصائل المسلحة غامضاً، وهو الملف الأكثر تعقيداً، بحسب محللين، إذ لم يعقد حتى الآن أي اجتماع مباشر مع تلك الجماعات، رغم الحديث عن لجنة تضم الزيدي والسوداني وهادي العامري لبحث ملف نزع السلاح.
وفي الوقت ذاته، يتضمن البرنامج الحكومي بنداً عن “تقوية الحشد الشعبي”، ما يثير تساؤلات داخل الأوساط السياسية عن أسباب التحفظ الإيراني على بعض ترتيبات الحكومة الجديدة.
ويقول الشمري، الذي يرأس أيضاً “مركز التفكير السياسي”، إن “الانخراط الإيراني المباشر أخر حسم تشكيل الحكومة بشكل واضح”، مضيفاً أن طهران “باتت تدرك أن واشنطن تتجه تدريجياً نحو فك الارتباط بين العراق وإيران، وإعادة صياغة المعادلة العراقية بما يحد من النفوذ الإيراني”.
ويتابع: “إيران حاولت عرقلة بعض التفاهمات عبر حلفائها، أو الضغط على المكلف وداعميه، ولذلك فإن تزامن زيارة قاآني مع تأخير جلسة منح الثقة ليس أمراً عابراً”.
وتشير تقديرات سياسية إلى صعوبة التزام الزيدي بشروط دونالد ترامب بشأن تشكيل “حكومة خالية من الفصائل”، إذ تتغلغل هذه الجماعات في معظم قوى “الإطار التنسيقي”.
ثقل الأجنحة المسلحة
هذه الجماعات خرجت من انتخابات 2025 بكتلة وازنة قاربت 80 مقعداً، قبل أن ترتفع لاحقاً إلى نحو 100 نائب بعد انتقال نواب من قوى أخرى إليها، داخل البيت الشيعي الذي يضم بحدود 200 مقعد. ويعني ذلك أن الفصائل المسلحة وحلفاءها ضاعفوا حضورهم البرلماني بأكثر من 50 مقعداً مقارنة بانتخابات 2021، حين لم تكن تملك سوى نحو 30 نائباً فقط.
وحصل فريق قيس الخزعلي، عبر كتلة “صادقون” التابعة لعصائب أهل الحق، على 28 مقعداً، بينها مقعد في صلاح الدين ضمن قائمة “شراكتنا” التي يقودها محمد البلداوي، النائب المقرب من العصائب.
وفي داخل تحالف عمار الحكيم، الذي يمتلك 18 مقعداً، برز حضور “جبهة البناء والجهاد” بزعامة جواد الساعدي، مؤسس “سرايا الجهاد” التابعة للحشد الشعبي.
أما منظمة بدر بقيادة هادي العامري، فقد حصدت 18 مقعداً، فيما حصلت كتلة “حقوق”، المدعومة من كتائب حزب الله، على 6 مقاعد.
ويمتلك شبل الزيدي، زعيم “كتائب الإمام علي”، 8 مقاعد، في حين حصلت كتلة “منتصرون” بقيادة أبو آلاء الولائي، زعيم “كتائب سيد الشهداء”، على 5 مقاعد ضمن ائتلاف نوري المالكي.
كذلك يمتلك أحمد الأسدي، وزير العمل وزعيم “جند الإمام”، 7 مقاعد عبر “حركة بلاد سومر” المنضوية في ائتلاف “الإعمار والتنمية” بزعامة السوداني، إضافة إلى مقعد آخر عبر كتلة “سومريون”.
وفي ديالى، حصلت قائمة “ديالى أولاً”، التي تضم قوى شيعية بينها فريق شبل الزيدي، على مقعد واحد، فيما نالت حركة بابليون ثلاثة مقاعد، أحدها عبر كتلة صغيرة في الموصل تحت اسم “الهوية الوطنية”، بقيادة ريان الكلداني، وهي الواجهة السياسية لـ”كتائب بابليون” التابعة للواء 50 بقيادة أسامة الكلداني.
ويرى الشمري أن ملف الفصائل قد يكون “العقدة الأكبر” أمام الزيدي، خصوصاً أن هذه الجماعات تمتلك أجنحة سياسية مؤثرة داخل البرلمان، وهو ما يمنحها استحقاقات يصعب تجاوزها في ظل استمرار نظام المحاصصة.
ويختم بالقول إن الزيدي قد يتجه في النهاية إلى “طريق ثالث”، يقوم على محاولة إرضاء القوى الداخلية، بالتوازي مع السعي لإقناع واشنطن بصيغة وسطية لا تؤدي إلى انفجار سياسي شامل داخل التحالف الشيعي.
“الحرس القديم” يطوق الحكومة.. و”الإطار” قلق من تمرد الزيدي

التعليقات معطلة.
