لا تبدو الحملة التي تضرب ملفات الفساد في العراق حدثاً داخلياً عادياً، ولا مجرد صحوة متأخرة لمؤسسات الدولة. حجم الملفات، وطبيعة الأهداف، والتوقيت الإقليمي، كلها تشير إلى أن ما يجري يتجاوز حدود مكافحة الفساد إلى إعادة رسم موازين القوة داخل العراق.
فالفساد لم يكن طوال السنوات الماضية مجرد وسيلة للإثراء غير المشروع، بل تحول إلى شريان مالي يغذي منظومة نفوذ متكاملة، امتدت من السياسة إلى الاقتصاد، ومن المؤسسات إلى شبكات المصالح. وكان هذا الشريان يمثل أحد أهم مصادر القوة التي استفادت منها القوى المرتبطة بإيران داخل العراق.
قطع هذا الشريان لا يعني استعادة أموال منهوبة فحسب، بل يعني تجريد تلك المنظومة من أهم أدوات بقائها. ومن هنا تكتسب الحملة أبعاداً تتجاوز القضاء والإدارة لتدخل مباشرة في قلب الصراع على النفوذ.
ولهذا يصعب فصل ما يجري في بغداد عن المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران. فالعراق ظل طوال العقدين الماضيين إحدى أهم ساحات الاشتباك غير المباشر بين الطرفين، وكل تحول داخلي كبير ينعكس على ميزان القوى الإقليمي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل الحملة مفتوحة حتى النهاية، أم أن لها سقفاً سياسياً لن يُسمح بتجاوزه؟
فالمنظومة التي بنت إمبراطوريتها على المال العام لن تقف متفرجة وهي ترى ركائزها تتهاوى. إنها معركة وجود بالنسبة لها، ولذلك ستستخدم كل ما تملك من نفوذ سياسي وإعلامي ومؤسساتي لإبطاء الحملة أو احتوائها أو تغيير مسارها.
وفي قلب هذا المشهد يقف رئيس الوزراء علي الزيدي أمام الاختبار الأصعب منذ توليه المسؤولية. فالنجاح لا يقاس بعدد أوامر القبض، ولا بحجم المؤتمرات الصحفية، وإنما بقدرته على الوصول إلى الرؤوس التي ظلت لعقود بمنأى عن المساءلة.
فهل يمتلك الإرادة والغطاء الكافي للاستمرار حتى النهاية؟ أم أن الحملة ستتوقف عند حدود معينة، تاركة كبار اللاعبين خارج دائرة الحساب؟
وفي المقابل، يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تتحول ملفات الفساد العراقية إلى ورقة ضمن حسابات إدارة الرئيس ترامب في مفاوضاتها الجارية مع طهران حول ملفات إقليمية ودولية أخرى؟ فالسياسة الأمريكية اعتادت استخدام الأوراق الأكثر تأثيراً عندما تدخل مراحل التفاوض الكبرى، والعراق ظل دائماً من بين تلك الأوراق.
أما الشارع العراقي، فقد تجاوز مرحلة الاحتفاء بالشعارات. الناس لا يريدون حملة إعلامية جديدة، بل يريدون نهاية حقيقية لعصر الإفلات من العقاب. يريدون أن يروا القانون وهو يطرق أبواب الذين اعتقدوا أن السلطة والمال والسلاح تمنحهم حصانة أبدية.
العراقيون يراقبون ما يجري بعيون يختلط فيها الأمل بالحذر. أملٌ بأن تكون هذه بداية سقوط الطبقة التي حولت الدولة إلى غنيمة، وحذرٌ من أن تنتهي المعركة بتسوية سياسية جديدة تعيد إنتاج الوجوه نفسها بوسائل مختلفة.
فالاختبار الحقيقي لا يكمن في بدء الحملة، وإنما في قدرتها على الوصول إلى نهايتها. وعندها فقط سيعرف العراقيون إن كانوا أمام ولادة دولة تستعيد قرارها، أم أمام فصل جديد من صراع النفوذ تُستخدم فيه ملفات الفساد أداةً لإعادة توزيع القوة، لا لإنهاء الفساد نفسه.

