«الذكاء الاصطناعي المصغر» لرصد الأدوية المزيفة والآفات الزراعية

3

يوظَّف في المناطق التي تعاني من تردي خدمات الشبكات الإلكترونية

في صباح أحد أيام عام 2019، كان أديبايو ألونغ يستعد لدخول غرفة فندق بمدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا؛ لعرض حل شركته الناشئة القائم على الذكاء الاصطناعي، لمشكلة خطيرة في الرعاية الصحية الأفريقية: رصد الأدوية المقلََدة، التي تودي بحياة آلاف الأشخاص في جميع أنحاء القارة كل عام.

 

جهاز "آر اكس سكانر" لرصد الادوية المزيفة
جهاز “آر اكس سكانر” لرصد الادوية المزيفة

 

جهاز رصد الأدوية المزيفة بالذكاء الاصطناعي

جهاز «آر إكس سكانر» RxScanner هو مطياف (جهاز للتحليل الطيفي) محمول باليد يفحص حبة الدواء بالأشعة تحت الحمراء، ثم يرسل الملف الجزيئي (تركيبة الجزيئات) للدواء إلى نموذج ذكاء اصطناعي مزود بقاعدة بيانات صيدلانية. وفي غضون ثوانٍ، يحدد الذكاء الاصطناعي الدواء من خلال ملفه الجزيئي، أو يُبلغ بأنه مزيف.

كانت الصيدليات تستخدم النظام في أكثر من اثنتي عشرة دولة، بما في ذلك غانا، وكينيا، وميانمار ونيجيريا، موطن ألونغ. لكن في ذلك الصباح في جنوب أفريقيا، لم يعمل النظام. يقول ألونغ: «لقد صُدمت». تم توصيل جهاز قياس الطيف بنموذج الذكاء الاصطناعي، لكن مركز البيانات كان يبعد 14000 كيلومتر، وكانت سرعة الإنترنت محدودة. ونقل موقع «سييكتروم» لجمعية المهندسين الكهربائيين الأميركية عن ألونغ قوله: «كان خادمنا (الكومبيوتري) في الولايات المتحدة، وكان الحصول على نتيجة مسح واحد يستغرق مني أكثر من 5 دقائق».

لذا؛ طلب ألونغ على الفور من مهندسيه تصغير نموذج الذكاء الاصطناعي إلى نسخة أقل حجماً، منخفضة الطاقة، وغير متصلة بالإنترنت، بحيث يمكن تشغيلها بالكامل على هاتفه الذي يعمل بنظام أندرويد. وقد أنجزوا ذلك بعد ساعتين؛ ما أنقذ العرض التوضيحي. والأهم من ذلك، أن هذا العمل أثمر عن نسخة جديدة من جهازه، قادرة على التحقق من صحة حبة دواء في أماكن تفتقر إلى الإنترنت عالي السرعة، وأجهزة الكمبيوتر، أو حتى الكهرباء الموثوقة. كما حوّل ألونغ داعماً لهذا النوع من «الذكاء الاصطناعي المصغر».

الذكاء الاصطناعي المصغر للرعاية الصحية عالمياًيختلف الذكاء الاصطناعي المصغر اختلافاً كبيراً عن نماذج اللغة الضخمة (LLMs) ومراكز البيانات فائقة التوسع والاستثمارات التي تبلغ مليارات الدولارات، وهو بعيد عن النقاشات الدائرة 3حول وعي الذكاء الاصطناعي في الدول الغنية. لكن بالنسبة لملايين الأشخاص حول العالم، فإن الذكاء الاصطناعي الوحيد المهم، وغالباً ما يكون النوع الوحيد المتاح، هو «الذكاء الاصطناعي المصغر».

ووفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني)، فلم يستخدم برنامج «تشات جي بي تي» سوى 0.7 في المائة من مستخدمي الإنترنت في أفقر دول العالم، مقارنةً بربع مستخدمي الإنترنت في الدول الأكثر تقدماً.

قال أجاي بانغا، رئيس البنك الدولي، في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي: «يناقش معظم الناس الذكاء الاصطناعي من منظور التعلم الآلي/التوليدي. لكن هذا يتطلب قدرة حاسوبية هائلة، وكهرباء، وبيانات ضخمة، وكوادر مؤهلة لإدارته. وخارج العالم المتقدم، باستثناء ربما الهند والصين، لا تمتلك سوى قلة قليلة من الدول هذه المكونات».

في المقابل، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي الصغيرة أن تقدم خدمات مفيدة، بل ومنقذة للحياة، لسكان المناطق التي تفتقر إلى كل هذه الموارد، كما أوضح بانغا.

رصد الآفات الزراعية واعتلال القلب

وفي الهند، حيث تدعو خطط الحكومة للذكاء الاصطناعي إلى تطوير المزيد من أنظمة الذكاء الاصطناعي الصغيرة، تعمل الكثير من هذه الأنظمة لصالح المزارعين.

على سبيل المثال، يقوم نظام يعتمد على الطائرات المسيّرة، طوّره بالا موروجان وزملاؤه في معهد فيلور للتكنولوجيا بالهند، بالتقاط صور لنباتات الكاجو وتحديد تلك التي تظهر عليها بقع تدل على المرض بسرعة. وتُجرى جميع عمليات المعالجة على الطائرة المسيّرة نفسها، لذا لا حاجة إلى حاسوب في الموقع، ولا إلى اتصال بخادم مركزي.

باستخدام نماذج لغوية صغيرة مُدرَّبة على حلّ مشكلة مُحدَّدة، وأحياناً تعمل على أجهزة رخيصة ومنخفضة الطاقة، طُوِّرت تطبيقات أخرى للذكاء الاصطناعي الصغير لتحديد انتشار النمل في مزارع العنب في أوروغواي، والكشف عن وجود البعوض الناقل للملاريا في عدد من الدول، وإجراء تخطيط كهربائية القلب من جهاز أردوينو في مناطق من البرازيل تفتقر إلى المعدات الأكثر تعقيداً.

يقول مارسيلو خوسيه روفاي، الأستاذ في معهد الهندسة ونظم المعلومات بالجامعة الفيدرالية في إيتاجوبا بالبرازيل، والذي شارك في المشاريع الثلاثة: «هذا هو أهم مجال في الذكاء الاصطناعي اليوم. إنه ينمو بسرعة كبيرة».

نماذج صغيرة منخفضة الطاقة

بالنسبة لألونغ وروفاي وغيرهما من المؤيدين لهذه التوجهات، لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي الصغير مجرد «اتجاه واعد»، كما وصفه تقرير البنك الدولي، بل قد يكون، على المدى البعيد، الشكل الأمثل للذكاء الاصطناعي الذي سيؤثر في حياة أكبر عدد من الناس ويظل مستداماً بعد أن أصبحت بعض النماذج الضخمة باهظة الثمن بالنسبة لمعظم المستخدمين.

يقول ألونغ: «أعتقد أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يكمن في نموذج ضخم واحد في مركز النظام، بل في ملايين النماذج الصغيرة والدقيقة المنتشرة على نطاق واسع، حيث يحلّ كل نموذج منها مشكلة محددة في سياق معين». ويعود ذلك جزئياً إلى أن شريحة كبيرة من البشرية – بما في ذلك سكان بعض الدول الغنية والنامية – لا تستطيع الوصول إلى أحدث النماذج المتطورة. ولكنه يضيف أن السبب أيضاً هو أن هذه النماذج غير مستدامة.

لا يوجد تعريف دقيق لمصطلح «الذكاء الاصطناعي المصغر»، لكن يُستخدم هذا المصطلح عادةً لوصف نماذج اللغة التي لا تتجاوز بضعة مليارات من المعاملات. (قارن ذلك بالنماذج المتطورة التي قد تحتوي على أكثر من تريليون معامل). هذا الحجم الصغير كافٍ لتشغيلها مباشرةً على الهاتف أو جهاز كمبيوتر «راسبري باي» Raspberry Pi. وهذا ما يسمح لهذه التطبيقات بالعمل على الأجهزة دون الحاجة إلى اتصال بمركز بيانات، وباستهلاك بضعة وحدات واط فقط من الطاقة، التي غالباً ما تُستمد من بطارية أو لوحة شمسية.

يقول روفاي إنه على الرغم من صغر حجمها، فإن هذه النماذج لا تختلف جوهرياً عن نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة. فقد تم إنشاء الكثير من نماذج اللغة المصغرة عن طريق «تقليم» النماذج الكبيرة، أو إزالة المعاملات غير الضرورية للمهمة. والنتيجة هي نظام أقل كفاءة بشكل عام، ولكنه لا يزال ممتازاً في المهمة المحددة التي تم تقليمه من أجلها، كما يقول روفاي.

أما النماذج المصغرة الأخرى، فتُنشأ عن طريق «التقطير». يقول روفاي إن هذه الأنظمة تُدرَّب على محاكاة نموذج كبير، حتى يقترب أداؤها من أداء «المعلم». وفي حالات أخرى، تُخفَّض دقة النموذج الأكبر، على سبيل المثال، بحيث يمكن تشغيل نموذج يعمل على بنية 32 بت على تصميمات 8 بت. أما في الحالات التي يُستخدم فيها تطبيق التعلّم الآلي لتصنيف البيانات أو التنبؤ بالأنماط (مثل غزو النمل)، فيُدرَّب منذ البداية على جهاز صغير، وليس مُستمداً من نموذج أكبر على الإطلاق.

تشغيل على الهاتف

ويضيف روفاي، أن تشغيل كل هذه الأنظمة الصغيرة والمتخصصة أصبح أسهل لسببين: أولهما، كما يقول، هو أن الأجهزة تتحسن وتصبح أكثر كفاءة مع استهلاك طاقة أقل. وهذا يعني أن المزيد من الهواتف يمكنها تشغيل أنظمة ذكاء اصطناعي صغيرة، لا سيما تلك المُجهزة بوحدات معالجة عصبية، وهي رقائق متخصصة تتولى مهام الذكاء الاصطناعي مثل التعرّف على الوجوه وتغيير السطوع والظلال والتباين في الصور.

في عام 2025، كان ما يزيد قليلاً على ثلث الهواتف الذكية المُشحونة عالمياً قادرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 45 في المائة بنهاية هذا العام، وفقاً لشركة الأبحاث التقنية Counterpoint. وبحلول نهاية العام المقبل، سيتمكن ما يزيد قليلاً على نصف الهواتف الذكية من تشغيل نموذج ذكاء اصطناعي صغير.

السبب الآخر الذي ذكره روفاي هو تقلص حجم نماذج اللغة. يقول روفاي إن كلاً من Gemma 4 من Google DeepMind (الذي صدر في أبريل/نيسان) وQwen 3.5 من Alibaba «رائعان» للذكاء الاصطناعي الصغير. وكلا النموذجين «مفتوح»؛ ما يعني أن المستخدمين يمكنهم تعديل العلاقات بين المعلمات لتناسب احتياجاتهم. وهذا يُسهّل، على سبيل المثال، «أخذ كمية كبيرة من البيانات، مثلاً من قطاع الألبان، وإعادة تدريب النموذج خصيصاً عليها»، كما يقول روفاي.

وأوضح روفاي هذه الأسباب مستخدماً إحدى أحدث تجاربه. يرفع الجهاز ويقول: «هذا هو أردوينو أونو كيو الجديد، وهو جهاز سعره 50 دولاراً أميركياً مزود بشريحة كوالكوم. أقوم بتشغيل نموذج لغوي هنا، يجمع البيانات من أجهزة الاستشعار ويحللها لاكتشاف برك المياه الصغيرة التي قد تتكاثر فيها البعوض. يستهلك 3 واط فقط لتشغيله».

ومع ذلك، لا أحد يدّعي أن نماذج اللغة الكبيرة ستختفي تماماً. يقول روفاي إن إنشاء ذكاء اصطناعي توليدي يعمل على الهاتف أو أي جهاز صغير آخر يتطلب رؤى معمارية ومعالجة بيانات ونتائج نموذج أكبر. ويضيف: «نحن في حاجة إلى النماذج الكبيرة لإنشاء هذه النماذج الأصغر».

وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي المصغر يُمكن أن يُفيد الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى الذكاء الاصطناعي الكبير، فإن هذه التقنية لا تستطيع حل المشكلات الأكبر المتمثلة في التنمية وعدم المساواة الرقمية، كما يقول ألونغ. إن تطبيق الذكاء الاصطناعي المصغر لن يُعفي الدول من تحدي إنشاء بيئة داعمة للذكاء الاصطناعي، تشمل: طاقة موثوقة، وسلسلة إمداد فعّالة، ونظام تعليمي يُنمّي المواهب اللازمة لإنشاء أدوات الذكاء الاصطناعي.

التعليقات معطلة.