الزيدي أمام اختبار “الحيتان الكبيرة”.. واشنطن تنتظر إثبات الجدية في ملفي الفساد والسلاح

1



نحو 300 مليار دولار هربت إلى خارج العراق

بغداد / تميم الحسن

قبل أن يحط رئيس الوزراء علي الزيدي رحاله في واشنطن منتصف تموز الجاري، يبدو أن بغداد وجدت نفسها أمام اختبار سياسي حساس، عنوانه تشييع المرشد الإيراني السابق اية الله السيد علي خامنئي وعدد من أفراد عائلته في العراق.
فالحدث، الذي يفترض أن يندرج في إطار المراسم الدينية، تحول سريعاً إلى ملف سياسي تتقاطع عنده حسابات بغداد وطهران وواشنطن، ليصبح إحدى أولى العقد التي تسبق اللقاء المرتقب بين الزيدي والرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ورغم أن الزيارة إلى البيت الأبيض تأتي في ظل مؤشرات على تحسن العلاقة بين بغداد وواشنطن، فإنها لا تزال تواجه أسئلة جدية بشأن قدرة الزيدي على تنفيذ الالتزامات التي تضمنتها التفاهمات التي أبرمت بين الجانبين فيما بات يعرف بـ”تسوية حزيران”.
وفي المقابل، يعتقد مراقبون أن رئيس الحكومة حقق خلال الأسبوع الأخير تقدماً مهماً باتجاه الإدارة الأميركية، بعد إطلاق حملة واسعة لملاحقة مسؤولين متهمين بالفساد، في خطوة ينظر إليها باعتبارها محاولة لإثبات الجدية في تنفيذ التعهدات التي قطعت لواشنطن.
ضغوط إيرانية.. وتردد عراقي
ويكشف مصدر سياسي مطلع أن الموافقة على إقامة مراسم تشييع خامنئي في العراق، غداً الأربعاء، لم تكن قراراً سهلاً داخل الحكومة، بل سبقتها مناقشات مترددة، قبل أن تميل الكفة تحت ضغط إيراني، مدعوم بمواقف من قوى في الإطار التنسيقي وفصائل مسلحة.
ويقول المصدر، وهو نائب في أحد الأحزاب الشيعية الكبيرة، لـ(المدى)، مشترطاً عدم الكشف عن اسمه، إن “الزيدي يدرك أن هذا الملف قد يضعه في موقف محرج أمام ترامب خلال زيارته المرتقبة إلى واشنطن”.
وبحسب معلومات متداولة في الأوساط السياسية، فقد شهد برنامج التشييع تعديلاً لافتاً، إذ جرى استبعاد بغداد من جدول المراسم، بعدما كان من المقرر إقامة مراسم في مدينة الكاظمية، لتقتصر الزيارة على النجف وكربلاء، مع احتمال استقبال الزيدي جثمان المرشد في مطار النجف.
وتفيد تقديرات بأن إقامة مراسم تشييع واسعة في العاصمة ربما كانت ستتحول إلى تظاهرات مناهضة للولايات المتحدة، تتخللها هتافات وشعارات تستهدف الرئيس الأميركي، على غرار المشاهد التي رافقت مراسم التشييع داخل إيران.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أبدى اهتماماً واضحاً بمراسم التشييع التي انطلقت مطلع الأسبوع في إيران.
وقال ترامب في تصريحات صحافية، معلقاً على المشاهد التي أظهرت آلاف المشاركين وهم يبكون خلال المراسم، إنه فوجئ بحجم التفاعل الشعبي، قبل أن يضيف: “ربما تكون تلك دموعاً مزيفة”.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد وصل إلى بغداد، في أول زيارة له منذ انتهاء الحرب الأخيرة في المنطقة، بالتزامن مع انطلاق ما بات يعرف بـ”حملة الفجر”، التي استهدفت نواباً ومسؤولين متهمين بقضايا فساد الأسبوع الماضي.
وبحسب ما تسرب بعد الزيارة، فإن عراقجي ناقش مع المسؤولين العراقيين تفاصيل مراسم التشييع، فيما أشارت معلومات أولية إلى أن بغداد ستكون إحدى المحطات الرئيسية للحدث.
لكن اللجنة العراقية المختصة بتنظيم الزيارة سارعت لاحقاً إلى نفي تلك المعلومات، قبل أن تتضح لاحقاً ملامح البرنامج الجديد الذي اقتصر على النجف وكربلاء.
الطقوس الدينية.. لا الحسابات السياسية
في المقابل، يقدم الدبلوماسي السابق غازي فيصل قراءة مختلفة للملف، إذ يرى أن واشنطن، بما فيها الرئيس ترامب، تدرك أن تشييع المرشد الإيراني السابق لا يندرج ضمن العمل الرسمي للحكومة العراقية، بل يدخل في إطار الطقوس الدينية والمذهبية.
ويقول فيصل لـ(المدى)، إن “الزيدي معني بإدارة الحكومة، أما تشييع خامنئي فهو جزء من التقاليد الدينية”، مضيفاً أن موافقة بغداد على إقامة مراسم التشييع في النجف وكربلاء “لا تتجاوز كونها استجابة لتقاليد دينية متبعة مع الشخصيات الدينية أو الرسمية أو حتى المواطنين العاديين”.
ويشير فيصل إلى أن ترامب نفسه أعلن منح إيران مهلة أسبوع لاستكمال مراسم التشييع، احتراماً لهذه المناسبة، من دون ممارسة ضغوط تتعلق بالمفاوضات بين الطرفين.
ويرى أن ما جرى يمثل “هدنة مؤقتة” لإتاحة المجال أمام إنهاء المراسم، قبل استئناف المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران.
ويخلص الدبلوماسي السابق إلى أن الولايات المتحدة، بوصفها بلداً متعدد الأديان والثقافات، تنظر عادة باحترام إلى التنوع الديني والمذهبي، وإلى الطقوس المرتبطة به، وهو ما يجعل من غير المرجح أن تتحول مراسم التشييع، بحد ذاتها، إلى أزمة في العلاقات الرسمية بين بغداد وواشنطن، ما لم تقترن برسائل أو مواقف سياسية تتجاوز بعدها الديني.
كيف يُنظر للزيدي في واشنطن الآن؟
وعن صورة الزيدي في الولايات المتحدة، يرى الباحث في الشأن الأميركي كاتو سعد الله أن واشنطن لا تزال تمنح الزيدي فرصة سياسية مهمة، لكنها في الوقت ذاته تربط استمرار هذا الدعم بمدى قدرته على تنفيذ إصلاحات حقيقية.
ويقول سعد الله لـ(المدى) إن زيارة رئيس الوزراء تأتي بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتتزامن مع الاحتفالات بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، مضيفاً أن ترامب سيكون قبل ذلك في مؤتمر حلف شمال الأطلسي في أنقرة، على أن يلتقي الزيدي بعد عودته إلى واشنطن.
ويشير إلى أن ترامب سبق أن أعلن دعمه للزيدي وللحكومة الحالية، وهو موقف منح بغداد هامشاً سياسياً مهماً، إلا أن هذا الدعم، بحسب سعد الله، لن يكون مفتوحاً أو غير مشروط.
ويضيف أن الرئيس الأميركي، عبر مبعوثه توم باراك، أبلغ الحكومة العراقية بمجموعة من الأولويات التي ينبغي العمل عليها إذا كانت بغداد تريد الحفاظ على الغطاء الأميركي.
ثلاث أولويات أميركية
ويضع سعد الله هذه الأولويات في ثلاثة ملفات رئيسية.
أولها، إنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة، وحل الميليشيات والفصائل المسلحة، بما يعيد احتكار الدولة للقوة.
أما الملف الثاني، فيتمثل بمحاربة الفساد، وهو، بحسب الباحث، القضية التي يركز عليها ترامب أكثر من أي ملف آخر، انطلاقاً من قناعة بأن الفساد يمثل البوابة التي تتفرع منها بقية الأزمات العراقية.
أما الملف الثالث، فهو وقف تهريب العملة الصعبة، وإغلاق القنوات التي تستنزف الاحتياطي المالي العراقي وتغذي شبكات مالية مرتبطة بالخارج.
هل تكفي “حملة الفجر”؟
ويرى سعد الله أن الحملة الأخيرة التي أطلقها الزيدي ضد عدد من المتهمين بالفساد تمثل خطوة مهمة، لكنها لا تزال بحاجة إلى إثباتات أكبر.
ويطرح تساؤلاً: هل ستكون هذه الحملة ورقة كافية يحملها الزيدي إلى واشنطن ليقنع الإدارة الأميركية والكونغرس والمؤسسات الأميركية بأنه بدأ فعلاً معركة مكافحة الفساد، أم أنها ستُقرأ باعتبارها إجراءات متأخرة لا ترقى إلى مستوى التحديات؟
ويعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير طبيعة الموقف الأميركي من الحكومة العراقية خلال المرحلة المقبلة.
الكونغرس يصف إجراءات الزيدي بـ”الأضحوكة”!
ورغم الترحيب الأميركي الأولي بالتحركات الأخيرة، يشير سعد الله إلى وجود أصوات نافذة داخل الكونغرس لا تزال تنظر بتشكيك إلى ما يجري في بغداد.
ويستشهد بموقف عضو الكونغرس جو ويلسون، الذي انتقد حملة الزيدي، ووصفها بأنها مجرد “أضحوكة”، معتبراً أنها لا تمثل مواجهة حقيقية مع منظومة الفساد.
ويذكر سعد الله بأن ويلسون ذهب أبعد من ذلك عندما نشر أسماء شخصيات سياسية بارزة، قائلاً إن أي حملة جدية ينبغي أن تبدأ من “الحيتان الكبيرة”، وذكر في تغريدته نوري المالكي، وهادي العامري، وقيس الخزعلي.
امتحان واشنطن
ويعتقد سعد الله أن المهمة التي تنتظر الزيدي في واشنطن لن تكون سهلة.
فإذا اكتفى بعرض الإجراءات التي اتخذت خلال الأسبوع الأخير، فمن المرجح ألا يحصل على قناعة أميركية كاملة.
أما إذا نجح في إقناع الإدارة الأميركية بأنه سيعود إلى بغداد لاستكمال حملة واسعة تستهدف كبار المتهمين بالفساد، بالتوازي مع خطوات عملية لحصر السلاح بيد الدولة، فإن فرص استمرار الدعم الأميركي ستزداد بصورة كبيرة.
ويضيف أن الزيارة تأتي في توقيت اقتصادي شديد الحساسية، إذ يواجه العراق أزمة مالية نتيجة توقف صادرات النفط خلال فترة الحرب الأخيرة مع إيران، الأمر الذي جعل بغداد أكثر حاجة إلى القروض والدعم المالي الدولي.
ويؤكد أن الحصول على تمويل من البنك الدولي أو المؤسسات المالية الكبرى سيكون أكثر صعوبة من دون غطاء سياسي أميركي، وهو ما يمنح الزيارة أهمية تتجاوز بعدها الدبلوماسي.
هل تتكرر التجربة السورية؟
ويذهب سعد الله إلى أن طبيعة الدعم الأميركي ستتضح بصورة أكبر بعد الزيارة، متسائلاً عما إذا كان ترامب سيتعامل مع الزيدي بالطريقة نفسها التي تعامل بها مع الرئيس السوري أحمد الشرع، عبر ربط الدعم بسلسلة من الشروط والإجراءات.
ويضيف أنه إذا كان الدعم الأميركي مشروطاً بالفعل، فإن بغداد ستكون مطالبة بإظهار خطوات أكثر حسماً في ملفي مكافحة الفساد ونزع السلاح، لأن هذين الملفين سيبقيان المعيار الأساسي للحكم على أداء الحكومة.
وينظر مراقبون إلى الزيارة باعتبارها تتويجاً للتفاهمات التي توصل إليها الزيدي مع المبعوث الأميركي توم باراك خلال زيارته إلى بغداد الشهر الماضي، والتي أصبحت تُعرف سياسياً بـ”تسوية حزيران”، والمتضمنة محاصرة النفوذ الإيراني، وتهيئة بيئة أوسع للاستثمار الأميركي داخل العراق.
معركة الفساد.. أرقام تلاحق الزيدي إلى واشنطن
في المقابل، يرى الدبلوماسي السابق ورئيس المركز العراقي للدراسات الستراتيجية غازي فيصل أن المعركة الحقيقية التي تواجه حكومة علي الزيدي هي مكافحة الفساد، مؤكداً أن الحكومة بدأت بملاحقة شبكات غسل الأموال والتهريب والفساد، خصوصاً في قطاعي النفط والكهرباء، إضافة إلى تعقب شبكات مالية في دول الجوار وأوروبا، تشمل أكثر من 264 متهماً وأموالهم.
ويشير فيصل إلى أن البنك الدولي سبق أن تحدث عن تهريب أكثر من 300 مليار دولار إلى خارج العراق، معتبراً أن تفكيك هذه الشبكات واستعادة الأموال قد يستغرق 7 سنوات أو أكثر، بسبب ارتباطها بمصارف وشركات خارجية واندماج جزء من الأموال في اقتصادات دول أخرى.
ويطالب فيصل بإجراء تدقيق شامل لحسابات مؤسسات الدولة عبر شركات تدقيق دولية.
ويخلص فيصل إلى أن واشنطن تدرك تعقيدات مواجهة الفساد في العراق، لكنها ستنظر إلى أي تقدم حقيقي في هذا الملف باعتباره الورقة الأهم التي يمكن أن يحملها الزيدي إلى البيت الأبيض، لأن نجاح الحكومة سيقاس بما تحققه من نتائج فعلية في مكافحة الفساد واستعادة الأموال، لا بمجرد إطلاق الحملات.

التعليقات معطلة.