الزيدي يلاحق “خلطة العطار” بـ”صك الحنانة” في أول 100 يوم

1



محاولات لإحياء الصلح المؤجل منذ 2022.. وأبواب الكابينة لم تُغلق

بغداد/ تميم الحسن

يتجه رئيس الوزراء الجديد، علي الزيدي، إلى فتح أكثر الملفات حساسية منذ سنوات، مع توقعات بأن تبدأ حكومته خلال الأشهر الثلاثة الأولى سلسلة إجراءات تستهدف تفكيك الفصائل المسلحة وفتح ملفات فساد كبرى، في وقت يبدو فيه أن الرجل حصل على دعم سياسي مباشر من زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، يمنحه هامشاً أوسع للتحرك، خلافاً لتقديرات كانت تتحدث عن حكومة قصيرة العمر.
وتأتي هذه التطورات بينما تتصاعد الانقسامات داخل «الإطار التنسيقي» بشأن توزيع الوزارات، بالتزامن مع ارتباك داخل الفصائل المسلحة إثر معلومات عن تحذيرات أمنية تتعلق باحتمال استهداف بعض القيادات بطرق «غير تقليدية».
أجندة المئة يوم الأولى: التفكيك ومقصلة “نور زهير”
وتشير معلومات حصلت عليها «المدى» إلى أن الزيدي يعتزم، خلال أول 100 يوم من عمل حكومته، وضع آليات لـ«تفكيك الفصائل الستة المدرجة على القائمة السوداء الأميركية»، إلى جانب إعادة فتح ملفات فساد بارزة، من بينها قضية نور زهير.
وبحسب المعلومات، فإن الزيدي أجرى، بعيداً عن الإعلام، مفاوضات مع الفصائل خلال فترة تكليفه، ضمن لجنة ثلاثية ضمت أيضاً رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وزعيم منظمة بدر هادي العامري، ويبدو أن تلك التفاهمات انتهت إلى حرمان الجماعات المسلحة من الحصول على وزارات في الحكومة الجديدة.
وتقول تسريبات من داخل «الإطار التنسيقي» إن «الزيدي حصل على ضوء أخضر للمضي في تلك الإجراءات، خصوصاً المتعلقة بملف السلاح، خلال الاتصال الذي جرى أخيراً بينه وبين الصدر».
كسر “صوم الحنانة”: المكالمة البديلة وصك الولاية الكاملة
وكان مكتب الصدر قد أعلن، الأحد الماضي، اتصال الأخير برئيس الوزراء وتهنئته بنيل حكومته الثقة، وهو ما اعتبرته أوساط صدرية «ضمانة» لبقاء الحكومة ولاية كاملة تمتد لأربع سنوات، خلافاً لتقديرات كانت تتحدث عن احتمال تغييره بعد الانتخابات النصفية الأميركية المرتقبة أواخر العام الحالي، في ظل تراجع متوقع في شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويُعد ملف السلاح من أكثر الملفات تعقيداً في هذه المرحلة، ليس فقط بسبب «الفيتو الأميركي»، وإنما أيضاً بسبب معلومات عن تلقي قيادات في الفصائل تحذيرات أمنية «حمراء» – وهي أعلى درجات الإنذار – تضمنت مؤشرات على دخول واشنطن مرحلة «الاصطياد المنفرد»، على غرار ملاحقة واعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو مطلع 2026.
وجاء هذا الاستنفار غير المعلن عقب إعلان مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي اعتقال محمد باقر داوود السعدي، المتهم بالتخطيط لنحو 20 هجوماً في أوروبا، فضلاً عن توجيه تهديدات علنية للرئيس الأميركي.
وفي أول تعليق للحكومة الجديدة حول ملف السلاح، شدد صباح النعمان، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، الأحد، على ضرورة الالتزام «الحازم» بحصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن ذلك يمثل «الركيزة الاستراتيجية الأولى» للمنهاج الوزاري.
هل يشارك التيار الصدري في الكابينة الجديدة؟
ويرى الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي غالب الدعمي، في حديث لـ«المدى»، أن اتصال الصدر بالزيدي يحمل «دلالة رئيسية واحدة، وهي دعم إجراءات الدولة وبسط النظام وسيادة القانون على جميع مفاصلها».
وأضاف الدعمي أن «البعض يعتقد أن هذا التواصل قد يعني عودة الصدر إلى العملية السياسية، لكن الانتخابات ما تزال بعيدة، إذ تفصلنا عنها أكثر من ثلاث سنوات ونصف، ما لم تُجرَ انتخابات مبكرة»، مشيراً إلى أن «الاتصال يمثل نقطة إيجابية مهمة للحكومة الجديدة لأنها حظيت بدعم الصدر».
وكان المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء قد أعلن، في بيان، أن «رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي تلقى اتصالاً هاتفياً من زعيم التيار الوطني الشيعي السيد مقتدى الصدر، هنأه فيه بنيل حكومته الثقة في مجلس النواب».
وأضاف البيان أن الاتصال تناول «الأوضاع العامة في البلاد، والتأكيد على حفظ السيادة والاستقرار، وتحسين الواقع الخدمي، وتعزيز إجراءات الإصلاح ومحاربة الفساد، للمحافظة على مقدرات البلد وتأمين العيش الكريم للشعب العراقي».
وأشاد الصدر، بحسب البيان، بـ«جهود الزيدي وروح الهمة والعزم والإصرار التي يتمتع بها بعد تسلمه مهامه الرسمية»، فيما ثمّن رئيس الوزراء «المواقف الوطنية للصدر»، مؤكداً «أهمية وفاعلية التيار الوطني الشيعي في الواقع السياسي والاجتماعي».
“الإطار التنسيقي” يبحث عن صلح
لكن أوساطاً مقربة من الصدر ترى أن الاتصال قد يشكل بداية لتمرير «وساطة الإطار» المؤجلة منذ اعتزال زعيم التيار السياسة عام 2022، إذ يُعد هذا أول تواصل علني ومباشر بينه وبين مسؤول رفيع منذ ذلك الحين.
ويأمل «الإطار التنسيقي»، ولا سيما نوري المالكي، في إنجاز مصالحة مع الصدر، بعد سنوات من القطيعة. وكان المالكي يرى أن غياب الصدر أفسح المجال أمام تمدد جماعات شيعية حالت في نهاية المطاف دون حصوله على ولاية ثالثة، كما حرمته حالياً من الحصول على وزارات مؤثرة في الحكومة الجديدة.
وتتحدث بعض التقديرات عن احتمال منح التيار الصدري مناصب وزارية في التشكيلة الحكومية غير المكتملة حتى الآن، بوصفها «بادرة حسن نية» تمهد لتسوية سياسية أوسع.
وكان الصدر قد نفى، الأسبوع الماضي، مشاركة تياره في الحكومة، لكنه اشترط على الزيدي التخلي عن «خلطة العطار»، وهي العبارة التي يستخدمها للإشارة إلى رفضه التدخل الإيراني في الشأن العراقي، ويبدو أن ذلك تحقق جزئياً بعد استبعاد الفصائل من التمثيل الوزاري.
كما دعا الصدر إلى تحويل الفصائل إلى «الخدمة المدنية والدينية»، وهو ما اعتبرته أوساطه «طوق نجاة» لـ«الإطار التنسيقي»، في ظل تهديدات أميركية بفرض عقوبات، وربما توجيه ضربات عسكرية إذا استمر نفوذ الجماعات المسلحة.
وفرض الصدر مهلة 90 يوماً لتقييم خطوات الزيدي، قبل إعادة النظر في دعمه للحكومة، وفق ما ترجحه أوساط التيار، فيما جاء الاتصال الأخير بالتزامن مع بدء احتساب تلك المهلة عملياً.
سقوط “النمطية القديمة” والتحدي ما بعد العيد
في المقابل، جاء اتصال الصدر في وقت تتصاعد فيه الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» بسبب توزيع الوزارات، وهي القسمة التي لم تبدُ مرضية لمعسكر المالكي، الذي أسس أخيراً ما يعرف بـ«تحالف الأقوياء».
ويقول خالد وليد، عضو ائتلاف «الإعمار والتنمية» الذي يتزعمه السوداني، لـ«المدى»، إن «الجولة الأولى من توزيع الوزارات كانت مرضية بعد حصول الائتلاف على ثلاث وزارات، وما تزال هناك جولة ثانية يُتوقع أن يحصل فيها الإعمار والتنمية على استحقاق أكبر».
وأضاف أن «الحديث عن انسحابات حتى الآن غير نهائي، لأن طيفاً واسعاً من النواب التابعين لتلك الكتل قد يستمر داخل ائتلاف الإعمار والتنمية، وفي الوقت نفسه فإن التموضع النيابي حق سياسي مشروع».
وأكد وليد أن «الإعمار والتنمية مع مشروع الدولة، وأي مشروع بعيد عن ضمان مصالح العراقيين سيكون الائتلاف ضده، ولا توجد مساومة أو مناورة بهذا الاتجاه».
وأشار إلى أن «قضية احتساب النقاط الوزارية انتهت، وثبت أن حصة الإعمار والتنمية بلغت 51 نقطة، فيما ثبتت استحقاقات بقية القوى وفق المعايير نفسها».
وأوضح أن «بعض القوى تضررت في الجولة الأولى لأنها لم تقدم شخصيات مقنعة لمجلس النواب»، مضيفاً أن «النواب امتلكوا حرية التصويت، وهو ما شكل تحدياً لبعض الكتل التي ما تزال تعتمد نمطية قديمة وغير منتجة في اختيار المرشحين، الأمر الذي تسبب بسخط شعبي وعدم رضا جماهيري، ودفع النواب إلى عدم التصويت لتلك الأسماء».
وتابع: «التحدي الأكبر سيكون بعد العيد، خصوصاً في وزارتي الدفاع والداخلية، حيث ستواجه حكومة الزيدي ضغوطاً لاختيار شخصيات وطنية ومقبولة وقادرة على مواجهة التحديات».
المشهد الأخير والهجرة نحو تحالف الأقوياء
وخلال جلسة منح الثقة الأسبوع الماضي، والتي استمرت نحو ساعتين، بدا أن «الإطار التنسيقي»، الذي تشكل قبل نحو ست سنوات، دخل فعلياً مرحلة التفكك بعد أشهر من «الاحتضار السياسي»، نتيجة الضغوط الأميركية وتراجع النفوذ الإيراني.
وشكل المالكي، إلى جانب منسحبين من معسكر السوداني، تكتلاً جديداً يحمل اسم «تحالف الأقوياء» يضم نحو 75 نائباً، ويشارك فيه كل من همام حمودي، وهادي العامري، وفالح الفياض، وأحمد الأسدي، بعد ابتعادهم تدريجياً عن معسكر السوداني.
وبحسب تقديرات النائب السابق عبد الهادي السعداوي، فإن انسحاب الفياض يرتبط بمخاوف من وجود توجه لإقالته من رئاسة هيئة الحشد الشعبي، ومحاولته التحصن بتحالفه الجديد لضمان بقائه في المنصب.
ويواجه الوزراء الشيعة الثمانية الذين مرروا في جلسة التصويت الأخيرة – من دون حصة واضحة للمالكي أو الفصائل – احتمالات التعرض لدعاوى قضائية أو محاولات إبعاد واستبدال، في إطار صراع مبكر على شكل السلطة الجديدة.
وفشل مرشح المالكي لوزارة الداخلية، قاسم عطا، في الحصول على الأصوات اللازمة، وتم استبعاده نهائياً، كما سقط مرشح وزارة التعليم العالي عامر الخزاعي، وفشل أيضاً مرشح وزارة التخطيط المدعوم من مثنى السامرائي، في نيل الثقة البرلمانية.

التعليقات معطلة.