هل نشهد حرباً نحو الحسم أم عودة إلى مرحلة اللاسلم واللاحرب؟
لم يتبقَّ من مهلة الستين يوماً سوى ساعات، فيما لا اتفاق، ولا اختراق حقيقي، ولا مؤشرات جدية على أن واشنطن وطهران اقتربتا من تسوية تنهي الأزمة. ولهذا فإن الساعات الأخيرة لم تعد مجرد عدٍّ تنازلي لموعد ينتهي، بل أصبحت اختباراً مباشراً لإرادة الطرفين، ولقدرة كل منهما على فرض شروطه في اللحظة التي تضيق فيها مساحة المناورة.
طهران تراهن، كما يبدو، على الوقت. وهي تدرك أن المفاوضات الطويلة قد تتحول بحد ذاتها إلى وسيلة لإدارة الأزمة، لا لحلها. فكل يوم إضافي من دون مواجهة شاملة يمنحها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، واختبار حدود الخصم، والبحث عن مخارج سياسية تحول دون الوصول إلى المواجهة التي تخشاها.
لكن المشكلة أن الطرف الآخر ليس بالضرورة مستعداً للعب هذه اللعبة إلى ما لا نهاية.
ترامب أعلن أهدافاً كبيرة، ورفع سقف التهديدات إلى مستوى يصعب معه التراجع من دون ثمن سياسي. وإذا انتهت المهلة من دون اتفاق أو تنازل إيراني واضح، فإن السؤال لن يكون فقط: ماذا ستفعل واشنطن؟ بل: ماذا سيبقى من مصداقية التهديد الأمريكي إذا تحولت كل مهلة إلى مهلة جديدة، وكل إنذار إلى جولة تفاوض أخرى؟
هنا تكمن خطورة الساعات الأخيرة.
الخلاف لم يعد يدور حول تفصيل تقني يمكن تسويته خلف أبواب المفاوضات. القضية أصبحت أوسع بكثير: البرنامج النووي الإيراني، ونفوذ طهران الإقليمي، ومستقبل قدرتها على استخدام أدوات القوة خارج حدودها، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، والأهم من ذلك كله: من يملك حق رسم قواعد الشرق الأوسط المقبل؟
ولهذا فإن المعركة، حتى لو توقفت عسكرياً، لن تكون قد انتهت ما لم تُحسم هذه الأسئلة.
أما الخيار الآخر فهو العودة إلى ما يمكن تسميته مرحلة اللاسلم واللاحرب؛ لا حرب شاملة، ولا تسوية حقيقية، وإنما هدنة مؤقتة، وضغوط متبادلة، وتهديدات متصاعدة، ومفاوضات لا تنتهي. وهذا السيناريو ليس مستبعداً، بل ربما يكون أحد المخارج التي قد يحاول الطرفان اللجوء إليها إذا كانت كلفة الحسم أكبر من قدرة كل منهما على تحملها في هذه اللحظة.
لكن هناك فارقاً مهماً.
مرحلة اللاسلم واللاحرب هذه المرة لن تكون هي نفسها التي سبقت الحرب. فقد تغيرت موازين القوة، وكُشفت نقاط الضعف، وارتفع سقف المطالب، وأصبحت العودة إلى الوضع السابق أكثر صعوبة. ولذلك فإن أي هدنة جديدة ستكون أقرب إلى استراحة بين جولتين منها إلى نهاية للصراع.
من هنا، لا أعتقد أن ترامب يريد تمديد الأزمة إلى ما لا نهاية. فالرئيس الذي جعل الحسم جزءاً أساسياً من خطابه السياسي لا يستطيع بسهولة أن يقبل بمعادلة تنتهي فيها المهلة ثم تبدأ مهلة أخرى، من دون أن تحصل واشنطن على نتيجة واضحة تستطيع تقديمها للرأي العام الأمريكي والعالم.
وفي المقابل، فإن إيران تعرف أن تقديم تنازل كبير تحت الضغط قد لا ينهي الأزمة، بل قد يفتح الباب أمام مطالب أخرى. ولهذا فإن مقاومتها ليست مجرد تمسك بموقف تفاوضي، وإنما محاولة للحفاظ على أكبر قدر ممكن من قدرتها على المناورة، وعدم السماح بتحويل الحرب إلى لحظة انهيار استراتيجي للنظام.
لكن الزمن هنا ليس محايداً.
إذا انتهت المهلة من دون اتفاق، ولم تقدم طهران تغييراً واضحاً في موقفها، فإن طبيعة المرحلة ستتغير. عندها لن تعود المسألة اختباراً للنوايا، بل اختباراً للقدرة على الصمود. وستصبح الخيارات أمام واشنطن أكثر حدة، وأمام طهران أكثر كلفة.
وهنا تحديداً يمكن أن يبدأ التحول من الحرب من أجل الضغط إلى الحرب من أجل الحسم.
والحسم لا يعني بالضرورة أن إسقاط النظام الإيراني سيحدث في اليوم التالي لانتهاء المهلة. مثل هذه النتائج لا تُصنع بقرار واحد ولا بضربة واحدة. لكن استمرار التصعيد، إذا اقترن بإضعاف قدرة النظام على إدارة أدواته العسكرية والإقليمية والاقتصادية، يمكن أن يجعل مسألة بقاء النظام نفسه جزءاً من معادلة الحرب، لا مجرد نتيجة بعيدة لها.
وهذا هو أخطر ما يمكن أن تصل إليه المواجهة.
فالحرب التي بدأت حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي قد تنتهي، إذا اتسعت أهدافها، عند السؤال الأكبر: هل تستطيع طهران أن تحافظ على المعادلة التي بنتها منذ عام ١٩٧٩؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن ما يجري لن يكون مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل لحظة إعادة تشكيل للشرق الأوسط كله.
ومن هنا تأتي أهمية الساعات الأخيرة.
قد نشهد اتفاقاً يمنح الجميع فرصة للعودة إلى الطاولة، وقد نشهد تسوية مؤقتة تعيد المنطقة إلى مرحلة اللاسلم واللاحرب، وقد يبدأ مسار تصعيد جديد أكثر عنفاً من كل ما سبقه.
لكن المؤكد أن العودة إلى ما قبل هذه الحرب لم تعد أمراً سهلاً.
لقد سقطت بالفعل الكثير من الخطوط الحمراء، وتغيرت صورة القوة والردع، وأصبحت المعادلة الإقليمية التي حكمت المنطقة منذ عام ١٩٧٩ أمام اختبار وجودي.
ولهذا فإن الساعات المقبلة ليست مجرد نهاية مهلة.
إنها لحظة اختبار تاريخية: إما تسوية تعيد ترتيب الصراع، أو حرب تتجه تدريجياً نحو الحسم، أو هدنة هشة تؤجل الانفجار إلى جولة أخرى.
وفي جميع الحالات، فإن الشرق الأوسط الذي سيخرج من هذه الأزمة لن يكون هو الشرق الأوسط الذي دخلها.
أما إذا انتهت المهلة من دون تنازل إيراني واضح، واستمر التصعيد، فإن احتمال انتقال الحرب من محاولة احتواء إيران إلى محاولة تغيير المعادلة التي بناها نظامها منذ عام ١٩٧٩

