مقالات

السياسة مهنة كلّ شيء، والعار فيها ليس عيباً ..!

 

فخري كريم

من كلّ علم السياسة، على شمولها كلّ ما في الحياة، يبقى في الذاكرة العامة متداولاً،
ميكافيللي وكتابه ” الأمير”.
لكنّ الفرق بين السياسي الحاكم والطامع بالحكم، وبينهما المواطن “المُساس” في مفهوم السياسة ودلالاتها ومفرداتها وتكييفها، ما يشيب له رأس الوليد .! المواطن بفطنته الفطرية وبساطته يلخّص مفهومه لكلّ عيبٍ ليس في السياسة فحسب، وإنما في شؤون الحياة وصروفها، بكلمة واحدة: “سياسة”، وهو يعني بذلك باللهجة العراقية “كلاوات”، فحين يتعرض لمقلبٍ أو احتيال وخديعة لا يجد أبلغ من عبارة ” لبَّسني كلاو”.

وإذا كانت السياسة وأفانينها بكلّ ما تنطوي عليه من تلاعب بإرادات الناس، وإيهامهم ببرامج وشعاراتٍ زائفة، وإيقاعهم بحبائل مناوراتها وأكاذيبها وحروبها وصراعاتها، من دون تعففٍ من اعتماد كلّ أساليب المكر والخديعة والكذب والتجاوز والسرقة والتزوير مما حرّم الله ونهى عنه، فإن للمواطن فرض الطاعة والخضوع لأولي الأمر، وقول ما يحلو له في مجالسه الخاصة من دون الانتقال الى الفعل.
وحولنا في العراق ما لا يقبل الحصر والتحديد من إيقاعٍ للسياسة بهذه المعاني وقد يزيد فيوضاً في رصيد الخيبات التي لا تنتهي عند العراقيين، كُردهم قبل العرب والتلوينات المكوناتية غير المتجانسة، من حكامهم وقادتهم وأولياء الأمر فيهم، وهم كانوا وسيبقون كذلك ما لم تأتهم صاعقة يقظةٍ مما هم فيه من سبات.
والغريب أنّ الأساليب تتغير والأدوات تستعيد تأهيلها وتنُوع عُددها وأقنعتها، من حاكم إلى آخر ومن زمن الى خلافه، وما يظل ثابتاً، مستقراً على الولاء، هو المواطن نفسه. وخير ما يُعبِّر عنه في تجسيد هذا الولاء، الهتاف الافتراضي الذي انتشر بعد سقوط نظام البعث ويجسد السخرية السوداء: ” بالروح بالدم نفديك ياهو “الچان” (أيّاً كان) ..!
بعد ثلاثة عقود من نشاط لا ينقطع للمعارضة وتدخلٍ دولي باذخ، جاء التغيير مباشراً بانبعاث عراق جديد، يصبح فيه المواطن سيّد نفسه ومصيره ومستقبله، وإذا به (العراق الجديد) يحلّه ساسته الحكّام إلى مَكبّ نفاياتٍ لا تقبل حتى التدوير لكثرة اختلاطاتها وشوائبها، وإذا برعيته مُحَمّلين بما لا مثيل له في تاريخهم وفي نماذج الأُمم والشعوب المتهاونة مع حقوقها وإرادتها، وتفوق من حيث التلاعب بإرادتهم ونهب أموالهم والتضحية بأبنائهم وتمزيق نسيج مجتمعهم على ما كان عليه النسيج من وهن وتليّفٍ بحكم توالي الاستبداد طوال تاريخ دولتهم اللا دولة، المستضامة والمنكوبة، وفاقدة الصلاحيّة.
منذ الخامس والعشرين من أيلول الماضي، يتدحرج العراق في مرمى الأهواء والمطامع ومهرجانات ليّ الأذرع وصراع المصالح والإرادات، ومحركوها فعلوها وهم يديرون ظهورهم للعراقيين، الكل يقوم بفعلته غير ملتفتٍ لما سيكون لها من أثرٍ ووقعٍ فجائعي على الشعب وعلى كنية وطن صار ملعباً للجيران ولمصالح المستكبرين في كل حولٍ وحين، ولكلّ طرف راية وكتاب، كما لو كنّا في معركة الجمل أو واقعة صِفّين .!
كان الدستور ” حمّال الأوجه” حجة الكرد إذ يرون في مخالفته بإجراء استفتاء تقرير المصير بيّنة على الحكومة بانتهاكه والتجاوز على حقوقهم، وقيامة البرلمان والتحالف الوطني بكلّ أطرافه وجمهوره والحكومة المصغّرة ورئيسها يجدون في تجرّؤ الكرد على الاستفتاء تمزيقاً للدستور، ثم يمضون علناً في تفتيت كلّ ما لم يُنتَهك منه على مدار السنوات العجاف الماضية من دون أن يرّف لهم جفن.
فـ “الاستفتاء ” الكردستاني غير دستوري، والحفاظ على وحدة العراق حقّ دستوري، غير أنه يتطلب الالتزام بالدستور الذي جاء خرقه بلا أدنى تحفّظٍ وبالتفاصيل. وإذا كان التغنّي بالوطن ووحدته تمنّياً مشروعاً لكل وطني، فأيّ مسوّغ يُجيز نفي قوم بكل ما في ماضيهم وحاضرهم وسويّتهم، وإعدامهم من على منابر الحسين الشهيد، وذمهم بالمفرد والجملة، واعتبارهم كما لو أنهم لم يكونوا ولن تقوم لهم قائمة بعد الآن، ولم يتورّع البرلمان والسيد العبادي عن إلغاء كلّ ما ورد من مواد وبنود في الدستور حول مقومات وجودهم.
ولماذا لا يجد البعض من الكرد الحالم في التشوّف لتحقيق إرادته غير العلَم الإسرائيلي ليلوّح به مستَفزاً العربي أو الشيعي المُركّب بحساسيته المذهبية الدينية و” قومانيته ” المنبعثة بعد سُباتٍ تاريخي، من دون أن يلتقط من دروس التاريخ أنّ كلّ الأعلام الأجنبية لا تجسّد في دلالاتها غير مصالحها القومية العليا الثابتة، حتى ولو تطلب ذلك تجربة تفجير قنبلتين نوويتين أميركيتين في هيروشيما وناكازاكي وإبادة أكثر من مئتي ألف ياباني .
والسؤال الذي يتفاعل ويزداد إلحاحاً في وعي الكردستاني والعراقي: إذا كان معروفاً في حسابات من وافق بعد الاستفتاء بأيام على قبول تسليم كركوك والمواقع الأخرى للحكومة الاتحادية، فبأيّ مسوّغٍ قَبِلَ بالانخراط في الاستفتاء والدعوة للتصويت فيه بنعم ؟! وما سيتفاعل أيضاً، ولماذا لم يُحسَبُ لهذا ولغيره حسابُ في ما آلت إليه الأمور وما هو عليه واقع الحال والآتي من التطورات، من كل طرفٍ فاعلٍ في إقناع مواطني كركوك والمحافظات الاخرى؟!
وقد بات واضحاً ، بيّناً مثل نور الشمس، أنّ ما جرى في كركوك وكل المواقع الاخرى حتى عمليات الانتشار اليوم وربما في آتي الايام كان باتفاقٍ مسبق، فلماذا هذه الإثارة واستفزاز المشاعر، بالتحركات غير المسبوقة للقوات والفصائل المسلحة من الحشد وكأنّ انتصاراً سهلاً مظفّراً استطاع أن يسحق إرادة “عدوّ” استبيحت كرامته وجرى إذلاله، ولن تقوم له قائمة بعد الآن ؟
إذا كان المواطن الشيعي اليوم في بغداد والجنوب والفرات مغيّباً بفعل الحماسة على “استعادة وحدة الوطن” ، فلابد للغشاوة أن تزول عن عينيه، ويرى نفسه مرّة ثانية في مواجهة واقعه المرير مجرداً من كل شروط العيش غير المُذِلّ، والمحروم من الأمان والأمن والاستقرار، محاطاً من كل صوب برموز الفساد والخراب والسلاح المنفلت، والانحدار إلى قيعان أخرى أعمق وأشدّ فتكاً.
وكلما اقتربت الانتخابات سيكتشف هذا المواطن أنّ فصلاً من استعراض التكبير في غير مكانه، كان على صلة بصراع المواقع والتصفيات المتبادلة داخل البيت الشيعي قبل غيره، وفيه كلٌ طامعٌ، وكلّ مطموع بما في جعبته.
وليس الكردستاني استثناءً من تساؤلات، أقلها مرارة: وماذا بعد ؟
ويبقى سؤال أخير يتوزّع على الجميع: إذا كانت المعارك بهذا اليسر؛ فلماذا لا نقوم بنزهة سياحية ونطهّر البلاد من رجس القوّات الأجنبيّة المحتلّة لمواقع أثيرة على العراقيين من الأتراك؟
ذاكرة العراق مُطعَّمةٌ بفواجع الحروب ومهالكها ..