إعادة تشكيل الشرق الأوسط باتت قريبة من الحسم لمصلحة “سلام ترمب” وإن كانت اللعبة في بيروت بطيئة ومتعثرة
رفيق خوري كاتب مقالات رأي
حزب الله يتحدث عن “النصر” فوق أرض مدمرة (أ ف ب)
ملخص
لم يكن المؤرخ والمستشرق برنارد لويس يجامل الوطن الصغير حين كتب أن “لبنان عانى بسبب مزاياه لا بسبب أخطائه”. ومعروف أن الذين في “محور المقاومة” والممانعة يعترضون على المزايا لا على الأخطاء والنواقص في البلد، وهي كثيرة.
لبنان خسر دوره منذ الستينيات في القرن الماضي وكاد يخسر هويته. كان دوره محدداً في إعلان الاستقلال عام 1943 والميثاق الوطني: “لا شرق ولا غرب، لا ممر ولا مقر، لا وصاية ولا حماية، لا امتياز ولا مركز ممتازاً”. وكان ما عمله المفكرون والأدباء والفنانون والأكاديميون وكل المثقفين هو أن يكون لبنان “أثينا عربية” لا “إسبارطة”.
ولم يكتم كمال جنبلاط القول في محاضرة في “الندوة اللبنانية” عام 1956 إن لبنان “وُجد لكي يكون بلد العقل، بلد العقلانية، أثينا في الشرق الأوسط، ولنترك لسوانا أن يتلهى أو يجازف بلعب دور إسبارطة، فهو ليس دورنا”.
لكن لعبة الأمم فرضت عليه حتى قبل “اتفاق القاهرة” عام 1969 أن يصبح مقراً لـ”إسبارطة فلسطينية” وممراً لها إلى قتال “إسبارطة الإسرائيلية” التي لحقت بالمنظمات الفلسطينية إلى بيروت وأخرجتها إلى تونس. ثم تحکمت به على مدى 30 عاماً “إسبارطة السورية” التي شاركتها “إسبارطة الإيرانية” الباقية فيه بعدما سقط نظام آل الأسد.
اليوم يعمل لبنان على استعادة موقعه في ظروف موائمة من جهة، ومعاكسة من جهة أخرى. أما الظروف الموائمة، فإنها التحولات الهائلة التي حدثت في المنطقة منذ عملية “طوفان الأقصى” وحرب غزة وحرب لبنان وحرب إيران وسقوط النظام السوري. وأما الظروف المعاكسة، فإنها مقاومة التحولات بالسلاح في أيدي الفصائل المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في لبنان والعراق واليمن، وبالإصرار في طهران على المشروع الإقليمي الذي من أجله جاءت الثورة الإيرانية.
وليس الخلاف في بيروت بين من يراهن على اتفاق “الإطار الثلاثي” اللبناني-الإسرائيلي-الأميركي لضمان الانسحاب الإسرائيلي وسحب السلاح غير الشرعي من “حزب الله”، وبين من يرفض الاتفاق الإطاري ويراهن على صفقة إيرانية -أميركية يتوهم أنها تنهي الاحتلال الإسرائيلي وتبقي على سلاح “الحزب” سوى تعبير عن الصراع الحاد على دور لبنان وموقعه على خريطة الشرق الأوسط الجديد. فالاتفاق الإطاري هو جزء من مشروع أميركي كبير يعيد للبنان دوره في سلام الشرق الأوسط، ويركز موقعه على خريطة هذا السلام مع العرب والغرب. و”مذكرة التفاهم” بين أميركا وإيران، سواء سقطت نهائياً أو أعيد تحديد ما تعنيه بنودها أو جرى تصحيح بعض البنود، هي في نظر طهران والفصائل المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري أداة في إبقاء المشروع الإقليمي الإيراني في مواجهة المشروع الأميركي، ومن ثم في توظيف الأزمات والحرب المستمرة في سيطرة “جبهة المقاومة” على المنطقة وبالذات على لبنان.
ومن الصعب بالطبع على الجمهورية الإسلامية وأذرعها الاعتراف بأن استراتيجية “المقاومة الإسلامية” فشلت وتآكل مشروعها الإقليمي:
سلاح “حماس” أعاد الاحتلال الإسرائيلي إلى غزة مع تدميرها. سلاح “حزب الله” في حربين لإسناد غزة وإيران أعاد الاحتلال الإسرائيلي إلى الجنوب الذي دمره وهجّر أكثر من مليون إنسان. حرب إيران التي لم تكتمل أحدثت دماراً هائلاً في بلاد فارس يحتاج تعويضه إلى ما بين 20 و25 عاماً، حسب الخبراء. ومشروع ولاية الفقيه يتطلب إزالة إسرائيل، وإخراج أميركا من غرب آسيا، وإخضاع الأكثرية العربية والإسلامية من أهل السنة والجماعة. فإلى متى تستمر الممانعة العاجزة عن وقف التطورات لمصلحة أميركا والعرب؟ وإلى أين المسار في طريق مسدود؟
المشكلة هي غياب الفارق في قاموس إيران وأذرعها بين الهزيمة والنصر. یکفي ألا تحقق أميركا كل أهدافها لكي تعلن طهران “النصر الإلهي” وتحتفل ببقاء النظام المضروب بالانقسامات والمرشح لمواجهة تحديات داخلية خطرة بعد الحرب. يكفي أن يرفض “حزب الله” تسليم سلاحه للجیش ويواجه تدميره بأيدي جيش الاحتلال الإسرائيلي، لكي يتحدث عن “النصر” فوق أرض مدمرة وقرى لم تعد قائمة كمنازل وبنية تحتية وسكان لا يستطيعون العودة إلى حيث كانوا.
معركة سلام لبناني في حرب إيرانية
لا بل إن “الحزب” يلوم الدولة على التفاوض لاستعادة الأرض والسيادة وإعادة الإعمار بحجة أن المفاوضات المباشرة “خيانة وتنازل”. فالمهم هو الحفاظ على السلاح والارتباط العضوي مع إيران. ولا هم إذا أدى الاحتفاظ بالسلاح إلى بقاء الاحتلال وامتناع أميركا عن حشد العرب والغرب لتمويل إعادة الإعمار وتدفق المساعدات والاستثمارات. والمهم هو ألا تستعيد الدولة قرار الحرب والسلم لكي يبقى القرار في يده للدفاع عن الجمهورية الإسلامية. ولا هم إذا انتهت الجمهورية اللبنانية.
لكن لبنان خرج أخيراً مما سماها کارل میردال “الدولة الرخوة”. فالدولة لم تعد مجرد هيكل فارغ تتحکم به دويلة السلاح. والصراع على إعادة تشكيل الشرق الأوسط بات قريباً من الحسم لمصلحة “سلام ترمب”. وإذا كانت اللعبة في لبنان بطيئة وأحياناً متعثرة بحكم التوازنات الطائفية والضغوط المتضاربة، فإن اللعبة المضادة لاستعادة الدور والموقع صارت متراجعة جداً.
ولم يكن المؤرخ والمستشرق برنارد لويس يجامل الوطن الصغير حين كتب أن “لبنان عانى بسبب مزاياه لا بسبب أخطائه”. ومعروف أن الذين في “محور المقاومة” والممانعة يعترضون على المزايا لا على الأخطاء والنواقص في البلد، وهي كثيرة.
الصراع في لبنان على الدور والموقع

التعليقات معطلة.
