مقالات

الطريق إلى ألمانيا: 2400 دولار

 

عليا مالك
صحفية ومحامية حقوق مدنية ومؤلفة كتاب “بلد اسمه أمريكا: الجذور، والقصص الأمريكية”، تعمل حاليًا زميلة في مؤسسة بافن في معهد نيشين، وتستعد لتأليف كتاب عن سوريا.

كل شخص من ملايين اللاجئين السوريين الذين فروا من الوحشية، ومن وطنهم الذي لم يعودوا قادرين على التعرف عليه، قاموا بذلك لأسباب شخصية فريدة، فمنهم من هاجر بسبب قصف النظام للمدن، أو لتهديد تنظيم الدولة الإسلامية بالعودة بالحياة إلى عصور الظلام، أو لفقدان فرص العمل ضمن ظروف الاقتصاد المتداعية التي تعيشها البلاد، ولكنهم جميعًا يشتركون بسعيهم نحو هدف واحد؛ فجميعهم يسعون نحو حياة أفضل.
بعضهم ينطلق برسومات بسيطة، تبين مخطط الطريق من تركيا إلى ألمانيا، كدليل يساعدهم في رحلتهم المعقدة إلى أوروبا، وفي هندسة الخريطة البدائية، لمس بعض المسافرين استحالة حلمهم، ولكن في الشخصيات الكرتونية التي رسموها فوق الطريق والتي تمثل أهوال الوصول إلى الوجهة النهائية، رأوا أنفسهم، وسمحوا لهذه الصور القوية والتأملية في بساطتها، بأن تصوغ قصصهم الشخصية.
فورين بوليسي فعلت الشيء ذاته، ففي هذه القصة يتم تمثيل ملحمة العديد من اللاجئين، الرجال والنساء والأطفال، بشكل فكاهي قصصي، كل مقطع من مقاطع المقال يستند إلى القصص الشخصية التي رواها أصحاب العلاقة مباشرة للصحافية علياء مالك.
من خلال عرضه لما يحدث حقًا عندما يتشاطر أناس غرباء الخوض في غمار الشدائد، وكيف يتم تشكيل التحالفات اليائسة وحلها، يمكن القول بأن هذا المقال هو عبارة عن يوميات النزوح من الحرب إلى الأمل وإلى المستقبل الغامض في الغرب.
الوقت الذي ستستغرقه رحلة اللجوء إلى بر الأمان، أمر لا يعرفه اللاجئون، ولكنهم صلّوا مرارًا وتكرارًا للبقاء على قيد الحياة خلال رحلتهم الغامرة.
وضع مهند الهاتف على أذنه، واستمع أخيرًا إلى الكلمات التي استجابت لصلواته، “الطوف سيغادر عند الفجر في اليوم التالي، المياه هادئة، والشرطة تنظر في الاتجاه الآخر”، قال المهرب.
في حال الاضطرار، يستطيع مهند، أن يقود الزورق الصغير المحمل باللاجئين الآخرين من مدينة بودروم الساحلية التركية إلى جزيرة كوس اليونانية؛ فالشاب البالغ من العمر 29 عامًا، والذي ترعرع في مدينة اللاذقية على الساحل السوري، لم يكن يهاب المياه، ولكونه سمع بأن قادة المراكب المتطوعين يمكنهم أن يستقلوا القارب مجانًا، ولحرصه على توفير بعض المال للرحلة الطويلة التي تنتظره قدمًا، وافق مهند على العرض.
بعد إنهاء المكالمة مع المهرب، اتصل مهند فورًا برفيقه في السفر، محمد، قائلًا له: “استعد وعائلتك للذهاب، سنغادر غدًا”.
محمد، إحسان، ومهند
جنبًا إلى جنب مع مئات السوريين الآخرين، انتظر الرجلان لمدة أسبوع تقريبًا في جزيرة بودروم، وهو مكان مليء باليخوت الراسية والسياح، كما وُجدت جثة الطفل السوري، آلان الكردي، التي جرفتها الأمواج في شواطئ هذه الجزيرة، وحينها اجتاحت صورة الصبي، الذي كان يرتدي سترة حمراء مبللة بالمياه وبنطال جينز أزرق، وسائل الإعلام حول العالم، ولم يستطع مهند أن يفهم تمامًا سبب هذا الانتشار الواسع لصورة هذا الصبي بالذات، رغم موت آلاف الأطفال السوريين كل عام دون أي رد فعل عالمي يذكر، ولكن نتيجة للغضب العالمي الذي أثارته صورة إيلان، اضطرت الشرطة التركية المحلية لقمع جميع المهاجرين المغادرين لبودروم بصورة غير شرعية.
مهند ومحمد، كلاهما كانا من طهاة المعجنات في اللاذقية، وقررا التوجه إلى السويد، بعد أن اتخذا قرارهما هذا بناء على معيار هزيل قدمه لهما أحد الأصدقاء، الذي قال لهما بأن السويد “مكان لطيفة لتنشئة الأسرة”.
حمّل مهند على هاتفه خريطة بدائية من إحدى صفحات الفيسبوك المخصصة لهجرة السوريين، تحمل عنوان “الطريق إلى ألمانيا: 2400 دولار”، وتُبين الخريطة أن نقطة إنطلاق الرحلة في تركيا هي مدينة أزمير، ولكن بودروم يمكن أن تخدم ذات الغرض، حيث ستصبح هذه الخريطة منارة مهند ومحمد خلال رحلتهما إلى أوروبا.
خريطة الطريق إلى ألمانيا 2400 دولار
رغم أن مهند انطلق لوحده من سوريا، إلا أن وحدته لم تستمر بعد أن التقى إحسان، المراهق السوري البالغ من العمر 14 عامًا، في بودروم، حيث عهد به والداه إلى صديق لإيصاله لعمه في ألمانيا، ولكن الوصي تخلى عنه في تركيا، ولم يستطع مهند أن يفعل ذات الشيء بالشاب الخجول والنحيف، دائم الابتسام، والذي يحلم بأن يصبح مهندس بتروكيماويات في يوم ما من المستقبل؛ فقام مهند بالاتصال بوالدي إحسان، اللذان قدما له مبلغ 2000 يورو تعويضًا عن المشاكل التي قد يواجهها خلال الرحلة مع إحسان.
الدوافع خلف مغادرة الوطن تختلف من سوري لآخر في بودروم؛ فهمند أمضى نحو 30 يومًا في أحد السجون السورية عام 2013، نتيجة لتشابه اسمه مع شخص آخر مطلوب للسلطات السورية، ولم يستطع نسيان مقاساة الضرب اليومية التي شهدها هناك، فضلًا عن أنه كان يخشى أن يُضطر للقتل باسم النظام الذي سجنه؛ فكالعديد من الشباب الأشداء، كان مهند، حامل الأثقال الهاوي، تحت التهديد المستمر لتجنيده الإجباري في صفوف الجيش السوري، وتمثل كابوسه باحتمالية اعتقاله في أي لحظة من شوارع المدينة، ليتم حشره داخل إحدى السيارات الحكومية، ليجد نفسه بعد ساعات على الجبهة، ممسكًا ببندقية روسية بين يديه.
وبالمثل، عانى محمد أيضًا من مخاطر البقاء في سوريا؛ ففي عام 2012، سافر إلى اللاذقية ليستقر بها، بعد أن سيطر الثوار على مسقط رأسه في إدلب، وأدت هجمات النظام اللاحقة إلى تدمير منزله، وهناك، افتتح متجرًا للحلويات، ولكنه سرعان ما اكتشف بأن قيده الإدلبي المكتوب في هويته المدنية، أسفر غالبًا عن احتجازه لساعات عند نقاط التفتيش، بل في الواقع، أضحى الشاب الإدلبي مضطرًا للحصول على تصاريح للسفر ليقطع حتى أقصر المسافات داخل اللاذقية، حتى أصبح يشعر بأنه لم يكن يُعامل في دولته على أنه سوري أصلًا.
القلق الأكبر الذي كان يشعر به محمد، تمثل بالتهديدات المستمرة التي تلقاها هو وزوجته، سوسن، وأطفالهما الثلاثة، باعتبارهم سنيين يقطنون أحد أحياء المدينة التي تتمتع بأغلبية علوية موالية للنظام؛ ففي إحدى المواقف، حاول رجلان اقتحام منزل محمد، الذي عمد إلى استدعاء الشرطة على عجل، ولكن خلال الوقت الذي استغرقه عناصر الشرطة للوصول، كان الرجال الثلاثة قد انخرطوا في معركة بالأيادي، وحينها أخبرهم العناصر بأنهم يقفون أمام خيارين، إما قضاء ليلة في السجن أو الاعتذار لبعضهم البعض، وبالمحصلة، انتهت المشكلة بقبلة على الخد، وهي الطريقة السورية للمصافحة، ولكن في الوقت الذي كان محمد يلامس بشفتيه وجنة الرجلين، أضحى متأكدًا بأنه لا يستطيع التعويل على بلاده لتنشأة أطفاله الثلاثة، سدرة، 7 سنوات، علي 5 سنوات، وإبراهيم 3 سنوات.
بعد أن أخبر مهند بما حدث، خطط الشابان للفرار من سوريا خلال فترة عام، وذلك بالاعتماد على النصائح الشفوية والمكتوبة على صفحات الإنترنت، وأدركا بأن عليهما تسجيل جوازات سفرهما لدى السلطات على طول الطريق الذي يقطعونه، ولكن عليهم أن يحاولا بأي ثمن تجنب البصم في تلك الدول، حتى يصلا إلى السويد.
بغية ذلك، باع مهند جميع ممتلكاته، جمع 5000 دولار، اختصر كامل حياته في حقيبة واحدة؛ واحتفظ بالنقود والوثائق المهمة داخل حقيبة ظهر منفصلة، أما محمد وسوسن، فقد استطاعا جمع 18.000 دولار عن طريق بيع سيارتهما وبعض الذهب والمجوهرات، ولأملهما بأن يعودا إلى الوطن يومًا ما، طلبا من أحد الأقارب الاعتناء بشقتهما، ومن ثم قالا لأطفالهما بأنهم سيذهبون لقضاء عطلة عائلية في تركيا.
على بعد 200 ميلًا، في دمشق، قررت نائلة، البالغة من العمر 26 عامًا، ووالدتها مغادرة البلاد إلى المهجر أيضًا؛ فمنذ عام 2011، عندما باشرت الحرب السورية، شهدت نائلة عاصمة بلادها، ومكان سكنها، دمشق، وهي تتفكك وتتدمر، فعلى الرغم من أن دمشق ما زالت تحت وصاية النظام السوري، إلا أنها عانت، وما زالت، من الهجمات اليومية بقذائف الهاون، ومن قطع إمدادات الكهرباء والمياه، وعلاوة على ذلك، وكمترجمة للغة الإنجليزية، فقدت نائلة عملها بعد خروج معظم الأجانب من البلاد، وخلافًا لغيرها من نساء المجتمع الدمشقي المخملي، الذي حمّل والدة نائلة عبء كونها مطلقة، بدلًا من لوم والدها زير النساء، لم تكن نائلة مهتمة بالزواج، بل سعت للرقي بهويتها المهنية، وتبعًا لندرة العروض الوظيفية العالمية، التي كانت ذات يوم في متناول اليد، شعرت نائلة باطراد بانسلاخها عن المجتمع.
نائلة وميسم
تغيّرت الأمور في يوليو الماضي، عندما اتصلت شقيقة نائلة الأصغر سنًا، سعاد، من هولندا، بعد أن كانت قد ذهبت مسبقًا إلى إسطنبول لدراسة الصيدلة ولم تستطع جمع المال الكافي لدفع الرسوم الدراسية، وحينها، صُدمت نائلة وهي تستمع لرحلة سعاد السرية من تركيا إلى أوروبا، مشجعة بقية أفراد الأسرة لاتخاذ هذه الرحلة، وواعدة إياهم بإرشادهم في كل مرحلة من مراحل الرحلة، وحينئذ، لم تكن نائلة تعرف بأن سعاد استعملت وثائق إسبانية مزورة، استحصلت عليها من مهرب وصفته باسم “الحوت”، لتقطع أغلب المسافة إلى هولندا جوًا عن طريق الطيران، بدلًا من المشي.
ضغطت نائلة على والدتها، سهير، لاتخاذ الرحلة، لأن فرص الحصول على حياة أفضل في سوريا قاربت على الانقراض مع استمرار الحرب الطاحنة، وحينها عارضت سهير الرحلة خوفًا من مخاطرها الجمة، خصوصًا في مرحلة ركوب الطوف للعبور من بودروم إلى كوس، ولكنها أذعنت ورضخت في النهاية، وعلى إثر ذلك، قام ابنها، يوسف، البالغ من العمر 14 عامًا، والذي لا يعرف السباحة، بالتسجيل في دروس سباحة للتحضير لرحلة البحر، وفي الوقت عينه، بدأت الأسرة تبيع جميع ممتلكاتها، الأثاث والأجهزة المنزلية والذهب، عبر إحدى الصفحات العديدة على الفيسبوك المخصصة لبيع ممتلكات الأشخاص الذين ينوون اللجوء، وبالمحصلة، جمعت العائلة حوالي 5000 دولار، اشترت سهير منها تذاكر طائرة للعائلة للوصول إلى تركيا.
خلال الوقت الذي انتظرته العائلة في بودروم ريثما يتلقون اتصال المهرب للانطلاق بالرحلة، استغلت نائلة وشقيقها يوسف، وشقيقتهما ميسم، وهي طالبة فنون جميلة بالغة من العمر 19 عامًا، الوقت بالذهاب للشاطئ للتدرب على السباحة، وحينها لم يستطع السواح الأوروبيين، الذين يتشمسون أو يسبحون بجانبهم، أن يميزوا بأن الصبي ذو الشعر الداكن، وشقيقتيه، نائلة الصهباء وميسم الشقراء، اللتان ترتديان ملابس السباحة، كانوا في الحقيقة لاجئين سوريين يتمرنون في البحر للنجاة بحياتهم.
في الساعة الثانية صباحًا، أوصلت سيارة ذات نوافذ معتمة مهند ومحمد وباقي الركب إلى تلة صخرية فوق شاطئ بودروم، وفي الوقت الذي اختبأ فيه الركاب بين الشجيرات، قام الرجال الذين يعملون لحساب عصابة التهريب المحلية بنقل الطوف، وهو قارب مطاطي أزرق صغير ومفرغ من الهواء، باتجاه بحر إيجه، وانضم مهند لهم، كونه الشخص الوحيد الذي يتمتع بقوة بدنية كافية ليحمل دون مساعدة محرك الطوف نحو البحر.
مع بزوغ الخطوط الأولى للفجر في كبد السماء، باشر خط اللاجئين بشق طريقه إلى الماء، حيث كان ينتظرهم الطوف المطاطي الذي تم نفخه بالهواء منذ لحظات، وبين سرب الأشخاص المتجهين إلى الرحلة، كانت نائلة وعائلتها، الذين استعجلهم المهربون والسماسرة للركض حتى أسفل التل، مما أدى إلى سقوطهم أرضًا في خضم عجلتهم في بعض المواقع.
امتلأ الطوف، الذي من المفترض أن يحمل 25 شخصًا فقط، بحوالي 50 شخصًا من السوريين والعراقيين، حيث اصطف النساء والأطفال واستقلوا على أرضية الطوف، بحيث كانوا قادرين على رؤية السماء وليس البحر، وجلست النساء الأخريات فوقهم، أما الرجال فجلسوا على طول حواف الطوف، وعلى متن الطوف أيضًا كان يجلس إحسان، ومحمد كذلك، الذي انشغل بشكل محموم بتوزيع سترات النجاة على أولاده في الوقت الذي كانت تقوم فيه زوجته سوسن بإعطائهم حبوب مضادة لدوار البحر.
في تلك اللحظة أدرك مهند بأن أحدًا لم يحضر حقيبته التي تركها في التل عندما توجه لحمل محرك الطوف، ولكن الوقت لم يكن كافيًا للعودة إلى هناك، لذا غادر مهند بثيابه التي يرتديها فقط، قبعة سوداء، شورت أصفر مموه، قميص أسود، وصندل برازيلي مفتوح في قدميه، ولحسن الحظ، بقيت الوثائق والمال، اللذان لفهما بكيس بلاستيكي، بحوزته ضمن حقيبة الكتف.
في اللحظة الأخيرة، قام محارب، المهرب السوري المسؤول عن الرحلة، بدس أقاربه ضمن الطوافة، مغتنمًا الفرصة لإيصالهم إلى أوروبا، وحينها أبلغ مهند بأن عليه دفع قيمة الرحلة رغم أنه قبطانها، والتكلفة المخفضة هي 500 يورو.
“ولكنني سأقود المركب”، قال مهند محتجًا، ولم يكترث المهرب؛ لذا، دفع مهند المبلغ، وهو يقول في نفسه بأن السويد لن تكون كذلك؛ لأنه سمع بأن الأوروبيين ليسوا فاسدين.
دفع محارب الطوف إلى البحر، باتجاه الأضواء المتلألئة لجزيرة كوس التي تبعد 15 ميلًا، وحينها قال للمسافرين بأنهم إذا أضاعوا المدينة، ينبغي عليهم أن يستخدموا تطبيق تحديد المواقع (GPS) على هواتفهم الذكية، ووضع مهند يده على دفة المحرك، ووجه الطوف المهتز والمتمايل في عباب الأمواج لمدة ساعتين، وتشبث الركاب على أمل الوصول بسلام إلى كوس، راجين ألا يصبحوا مجرد أرقام أخرى تُضاف لتعداد الجثث الغرقى في المياه التي تقسم العالم الشرقي عن الغربي.
وصول اللاجئين إلى غايتهم المنشودة على الشواطئ اليونانية لن تكون النهاية، بل إن رحلتهم إلى أوروبا، نحو السلام والكرامة التي يتوقون لها، ستبدأ من هناك تمامًا, وهناك سيتواجهون بالسؤال المرعب: ما هي تكلفة الحياة في المنفى؟
في الوقت الذي كان مهند وغيره من اللاجئين يهيمون ضياعًا في محطة قطار فرانكفورت، كانت نائلة وميسم على بعد حوالي 50 ميلًا، في هايدلبرغ؛ فالأوراق المزورة، التي صنعها الحوت، لم تنجح في إخراج سهير ويوسف من المطار، مما اضطرهما في نهاية المطاف لشق طريقهما إلى أمستردام برًا، أما الأخوات، نائلة وميسم، فقد نجحتا في الخروج بأوراقهما المزورة بالطائرة من زيورخ، واستقلتا بعد ذلك قطارًا إلى هولندا، يصل إلى أمستردام في الساعة 9:15 في ذات يوم الانطلاق، ولكنهما لم تستطيعا الوصول إلى سعاد، بل تم إلقاء القبض عليهما في الطريق.
في آخر محطة ألمانية لتدقيق الأوراق الشخصية على متن القطار، تم اكتشاف تزوير أوراق نائلة وميسم، وحينها، سُحبتا من القطار، تم استجوابهما من قِبل الشرطة في جنوب غرب ألمانيا، أرسلتا إلى مركز مؤقت لاستقبال اللاجئين في مكان قريب، وبقيتا هناك حتى نقلتهم السلطات إلى مخيم دائم للاجئين، وخلال ذلك، ولمدة أربعة أيام، نامت الشقيقتان على أرضية مطعم مفروشة بسجاد تفوح منه رائحة العرق أو البول، قبل أن يتم نقلهما إلى مخيم آخر للاجئين في هايدلبرغ، وهي قاعدة عسكرية أمريكية سابقة معروفة باسم قرية باتريك هنري، وهناك، اضطرت الفتاتان للبصم، وتقدمتا بطلب اللجوء رسميًا.
بعد أفول حلمها بالوصول إلى أمستردام، بدأت نائلة بالعمل لتستفيد من وضها الراهن؛ فقامت بتسخير مهاراتها المهنية لتساعد باقي اللاجئين الناطقين باللغة العربية للتعامل مع السلطات باللغة الإنجليزية، وبعدها، أدركت بأن ألمانيا مناسبة لتكون وطنها الجديد، فهي بلاد حرة وآمنة ونظيفة، تمامًا كما كانت تأمل أن تعيش في هولندا، كما أن الشقيقتين يمكنهما متابعة دراستهما في ألمانيا؛ فنائلة يمكن أن تسجل بالجامعة، وميسم يمكنها إنهاء دراستها بالفنون، ولكن أين وكيف يمكن أن يحدث كل ذلك؟ لم يكن لدى نائلة أي فكرة، ولكنها كانت واثقة، على الأقل، بأن الأمر ممكن.
أخيرًا، وعندما شعرت نائلة بالاستقرار، وبعد أسابيع من الصمت، التقطت هاتفها في أوائل أكتوبر وراسلت الرجل الذي أنقذ حياتها على الطوافة إلى جزيرة كوس، “مرحبًا، كيف حالك؟” كتبت نائلة لمهند باللغة العربية، وتابعت: “آمل أن يكون كل شيء على ما يرام”.
في مساء اليوم الذي وصل فيه مهند ومحمد إلى فرانكفورت، استقلا، جنبًا إلى جنب مع سوسن والأطفال، مركبًا ليعبروا بحر البلطيق إلى السويد لمرة أخرى وأخيرة، وعلى الرغم من أن ذاك اليوم كان يبدو يوم خميس عادي بالنسبة للمسافرين الآخرين بالعبارة، ولكن بالنسبة لهذه المجموعة من المسلمين كان هذا اليوم يعني أكثر من ذلك بكثير؛ إنه يوم عيد الأضحى المبارك، موسم الحج؛ لذا، وقبل النزول لتسليم أنفسهم إلى الشرطة السويدية ليتقدموا بطلب للحصول على اللجوء في النهاية، تمنوا لبعضهم البعض عامًا سعيدًا بقولهم: كل عام وأنتم بخير.

admin