“العصا والجزرة”.. الزيدي يضغط على الفصائل ويعوض حلفاءه بالمناصب

1



رحلة واشنطن جلبت الاستثمارات، لكنها فتحت دفتر الحساب مع “الإطار”

بغداد / تميم الحسن

خلف الأبواب المغلقة، يواجه علي الزيدي، رئيس الحكومة، ثلاثة اعتراضات رئيسية من شركائه في التحالف الشيعي. تأتي رحلة واشنطن في مقدمة هذه الاعتراضات، فيما يقترب ملف السلاح من أن يصبح الاختبار الأصعب، وتتحول حملة مكافحة الفساد إلى معركة على النفوذ السياسي.
يقول مصدران سياسيان متقاطعان في التحالف الشيعي إن العلاقة الجديدة مع الولايات المتحدة باتت، بالنسبة إلى بعض زعماء “الإطار التنسيقي”، أشبه بـ”دواء مر” يتعين تجرعه، فيما تراقب طهران المشهد من خلف الكواليس وتبعث برسائل تحذير.
عاد الزيدي، الأحد الماضي، إلى بغداد بعد خمسة أيام مثيرة للجدل، في أول زيارة له إلى واشنطن. وفي طريق العودة، توقف سريعًا في قطر، على أن يتوجه غدًا إلى طهران، في رحلة تحمل معها ملفات ثقيلة وأسئلة أكثر من الأجوبة.
“قادة النصر” يشعلون اجتماع المالكي
في منزل نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون، وخلال اجتماع “الإطار التنسيقي”، ظهرت اعتراضات لم تُنشر، بحسب مصدر قريب تحدث لـ”المدى”، على ما جرى خلال لقاء الزيدي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.
اعترض بعض الزعماء على عدم رد رئيس الحكومة على حديث ترامب عن “قادة النصر”، في إشارة إلى حادثة اغتيال قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس عام 2020.
في المقابل، رأى جناح آخر داخل “الإطار”، يمكن وصفه بجناح الوسط، أن الرد على الرئيس الأميركي لم يكن واقعيًا في تلك اللحظة، وأن الزيدي اختار أن ينظر إلى المستقبل، بدلًا من الغرق في الماضي.
وكان هذا الموقف قد أثار غضب محللين قريبين من “الإطار التنسيقي”. وذهب أحدهم إلى حد المطالبة بأن “يضرب الزيدي ترامب”، في تعبير عن حجم الاعتراض على الطريقة التي أدار بها رئيس الحكومة اللقاء.
والمسألة، بالنسبة إلى أطراف أخرى في “الإطار”، لا تتوقف عند طريقة الرد على ترامب. فالحصول على الاستثمارات الأميركية أمر جيد، لكنه لا يمكن أن يتحقق، بحسب المصدر، من دون تحييد الجماعات المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
60 مليار دولار على الطاولة
خلال الأيام الخمسة الأخيرة، توقفت شركتان أجنبيتان تعملان في قطاع الطاقة في إقليم كردستان، بعد هجمات يُعتقد أن لإيران صلة بها، وربما شاركت فيها فصائل من الداخل.
وسبق أن غادرت شركات أميركية مهمة، بينها “لوكهيد مارتن” و”إكسون موبيل”، العراق في فترات متقطعة بسبب هجمات الفصائل والمخاطر الأمنية.
في المقابل، عاد الزيدي من واشنطن باتفاقات واستثمارات تصل قيمتها إلى 60 مليار دولار في مجالات الطاقة والتنمية والتعليم.
لكن هذه الاستثمارات، بحسب محللين، قد تبقى حبرًا على ورق إذا لم يتمكن رئيس الحكومة من تنفيذ الشروط الأميركية المتعلقة بإنهاء نفوذ طهران وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة.
وتقول مصادر مطلعة إن زعامات في “الإطار التنسيقي” ما زالت مترددة في التقارب مع واشنطن، باعتباره، في نظرها، “خيانة لإرث المرشد الإيراني” الذي قتلته الولايات المتحدة في الحرب الأخيرة.
لكن أجنحة أخرى أكثر براغماتية تنظر إلى العلاقة مع واشنطن بوصفها “دواء مرًا” لا مفر من تجرعه، خصوصًا في هذه المرحلة.
عراقجي يطفئ حريق ولايتي
في طهران، حاول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تهدئة ما أفسدته تصريحات مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي.
وكان ولايتي قد وصف زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة بأنها “رحلة مؤسفة وغير مناسبة في توقيتها ومهينة لنضالات الشعب العراقي عبر تاريخه الممتد لآلاف السنين”، معتبرًا أن رئيس الوزراء العراقي “شاب وقليل الخبرة”.
لكن بغداد وطهران تتحركان الآن وسط حرب إقليمية مفتوحة.
فالولايات المتحدة تشن منذ عشرة أيام هجمات متتالية على مراكز قيادة عسكرية إيرانية وقدرات بحرية ومواقع لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة دفاع جوي، بهدف تقويض قدرة إيران على مواصلة مهاجمة السفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز، بحسب ما يعلنه الجيش الأميركي.
وترد إيران بهجمات على الأردن ودول الخليج، قبل أن توسع دائرة أهدافها لتشمل إقليم كردستان، حيث تستهدف مواقع لتخزين السلاح، وأحزابًا إيرانية معارضة، وقواعد عسكرية، والقنصلية الأميركية في أربيل.
في هذا المشهد، يفترض أن يصل الزيدي إلى طهران غدًا الخميس في أول زيارة له منذ تسلمه السلطة قبل أكثر من شهرين.
السلاح.. الاختبار الذي قد يفجر البيت الشيعي
يقول قيادي في حزب شيعي إن تهريب السلاح إلى سوريا، كما كُشف عنه الأسبوع الماضي، واستمرار وجود السلاح خارج سيطرة الدولة، يهددان بفشل ما تحقق في رحلة الزيدي إلى واشنطن.
ويؤكد القيادي لـ”المدى” أن اجتماع “الإطار التنسيقي” الأخير ناقش تهريب السلاح والدولار ونزع سلاح الفصائل، وسط تحذيرات من الشراكة مع سوريا، بسبب استمرار تحفظ بعض قوى “الإطار” على التعاون مع أحمد الشرع، الذي يرجح أن يلتقيه الزيدي خلال تموز الحالي.
لكن ملف السلاح فتح بابًا آخر للاعتراض.
ظهرت داخل “الإطار” أصوات ترى أن الحملة تحمل أهدافًا سياسية لإقصاء جماعات بعينها، وهو ما يبدو أنه دفع الحكومة إلى الرد عبر الناطق العسكري.
وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، إن رؤية رئيس الوزراء علي فالح الزيدي في تنظيم السلاح تنطلق من “منطلق أبوي ووطني”، هدفه حماية أمن العراقيين.
وأكد النعمان، في تصريح للوكالة الرسمية، أن حصر السلاح لا يستهدف الإساءة إلى أي طرف، بل يهدف إلى توحيد الجهد الوطني.
وقبل ذلك، قال المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، إن ملف حصر السلاح بيد الدولة “شأن سيادي عراقي”، ردًا على إشارات إلى أنه أجندة أميركية.
بغداد تبحث عن صواريخ لا يعترف بها أحد
بحسب معلومات وردت إلى “المدى”، تعتقد الفصائل وممثلون سياسيون عنها أن ترامب ينصب “فخًا” عبر استعجال تسليم السلاح.
في المقابل، تبحث بغداد عن طريقة للتعامل مع ملف الصواريخ الباليستية التي تقول واشنطن إن الجماعات المسلحة حصلت عليها من إيران.
وتنفي الجماعات المسلحة وجود هذه الصواريخ من الأساس، بينما تؤكد واشنطن أنها موجودة، وتقول إنها حصلت عليها من إيران، في حين ترفض طهران تسليمها.
ويُعتقد، بحسب تسريبات، أن ملف السلاح سيكون حاضرًا بقوة في رحلة الزيدي المرتقبة إلى طهران، التي كانت بغداد ترغب في ترتيبها في وقت أبكر.
وتقول الرواية الرسمية إن بغداد تحمل وساطة بين طهران وواشنطن، فيما تشير معلومات أخرى إلى أن الزيدي قد يحمل رسالة من ترامب، رغم وجود وسطاء رسميين بين إيران والولايات المتحدة، بينهم قطر وباكستان.
من السلاح إلى الفساد.. المعركة نفسها بوجه آخر
ولا تتوقف الانتقادات عند ملف السلاح.
فالحملة على الفساد تواجه الاتهامات نفسها، إذ يرى محللون أنها جزء من معركة أوسع لتقليص النفوذ الإيراني، خصوصًا مع تداخل الأموال وشبكات المصالح مع جهات مرتبطة بالحرس الثوري.
وتتهم أطراف في “الإطار التنسيقي” الحكومة بأنها تستهدف جهة سياسية بعينها في ملاحقة الفساد، فيما تترك ملفات أخرى أكثر خطورة.
ويبدو أن هذه المخاوف كانت حاضرة في البيان الأخير لـ”الإطار”، الذي دعا إلى شمول جميع المتورطين، أيًا كانت انتماءاتهم، لضمان سلامة حملة مكافحة الفساد.
وأكد “الإطار” أنه لن يحمي أي مسؤول تثبت إدانته، في إشارة بدت مرتبطة بالجدل الذي يلاحق أحمد الأسدي، القيادي في التحالف الشيعي.
وكان عامر الفايز، القيادي في “الإطار”، قد تراجع عن تصريحات مثيرة بشأن الأسدي وحسين مؤنس، بعدما تحدث عن كونهما هاربين ومطلوبين.
وجاء التراجع بعد رسالة صوتية للأسدي قال فيها إنه لم تصدر بحقه مذكرة اعتقال، وإنه موجود خارج البلاد للعلاج.
الزيدي يقترب من الخطوط الحمراء
ويظهر تخبط التصريحات في هذا الملف وسط ترجيحات بأن الزيدي سيشدد، بعد عودته من واشنطن، قبضته على حملة ملاحقة الفساد.
وتتحدث مصادر عن احتمال وصول الحملة إلى مستويات سياسية رفيعة، وربما إلى رؤساء حكومات سابقين.
وهنا بدأ صوت الاعتراض يرتفع.
وانتقد زعماء في “الإطار التنسيقي” استخدام الدبابات خلال حملة ملاحقة نواب داخل المنطقة الخضراء، وطالبوا بتشكيل لجان للتحقيق في الجهات التي تنفذ الاعتقالات.
وكان نواب قد اعتبروا اعتقال أعضاء في البرلمان “إهانة” للمجلس، فيما أبدى عدد كبير منهم عدم رضاه عما يجري.
“العصا والجزرة”
لتخفيف الضغط، يتبع الزيدي، بحسب مصدر مطلع، سياسة “العصا والجزرة”.
فمن جهة، يضغط في ملفات السلاح والفساد، ومن جهة أخرى يحاول الحفاظ على امتيازات القوى السياسية، خصوصًا في ملف المناصب.
وفي هذا السياق، يبدو أن الزيدي اضطر أمس إلى إعادة تفعيل مكتب القائد العام، وهو مفصل أُلغي قبل اثني عشر عامًا، وعُيّن فيه وزير الداخلية السابق عبد الأمير الشمري، القريب من رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني، بحسب أخبار متداولة.
ويعد السوداني، بحسب المصادر، من أكثر المتضررين من حملة ملاحقة الفساد، بعدما شملت أسماء المعتقلين المعلنة تسعة من فريقه، إضافة إلى اتهامات تتعلق بتعيين عدنان الجميلي، وكيل وزير النفط المعتقل، الذي يوصف بأنه أحد أبرز المتهمين في ملف الفساد.
وكان حيدر العبادي قد ألغى مكتب القائد العام في أيلول 2014، قبل أيام فقط من زيارة كانت معدة له إلى نيويورك للقاء الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.
وبالمبدأ نفسه، منح الزيدي منظمة بدر منصبًا استشاريًا لقاسم الأعرجي، مستشار الأمن القومي السابق، فيما منح نعيم العبودي، وزير التعليم السابق في “العصائب”، رئاسة بيت الحكمة.
الوزارات المعلقة
لكن “العصائب” تواجه امتحانًا حاسمًا في مشاركتها بالحكومة، إذ ترفض واشنطن، حتى الآن، منحها منصبًا، بحسب المصادر.
وهذا الاعتراض يعطل استكمال تشكيل الحكومة، التي لا تزال فيها تسع وزارات شاغرة.
كما يزيد الملف من توتر العلاقة بين الزيدي وشركائه.
ويقول أبو ميثاق المساري، عضو منظمة بدر، إن الزيدي ربما لن يكون مترددًا في الاستمرار بحكومة تضم 14 وزيرًا طوال فترة حكمه الممتدة أربع سنوات.
ويؤكد المساري لـ”المدى” أن هناك “سوء فهم” في ملف استكمال الوزارات، مشيرًا إلى أن “كل وزارة شاغرة فيها مشكلة مستقلة”.
أما وزارة الداخلية، فيؤكد أن الخلاف يدور حول الجهة التي تقدم الأسماء، هل هو الزيدي أم نوري المالكي، فيما يعترض بعض الأطراف على صلاحيات رئيس الحكومة باعتباره لا يملك كتلة سياسية، ولم يكن مرشحًا.

التعليقات معطلة.