الفتاة والمطعم.. عندما تتحول السوشيال ميديا إلى «فخ»!

1

مصطفى عمار

كاتب صحفي

 

يجب أن نتوقف أمام حالة الجدل الكبيرة التي صنعتها واقعة منع فتاة من الصلاة داخل أحد المطاعم الشهيرة، خصوصاً بعد أن انتقلت الواقعة إلى عالم السوشيال ميديا، فتحولت من خلاف محدود بين فتاة وإدارة مطعم إلى قضية رأي عام تختبر علاقة المجتمع بقوة السوشيال ميديا وتأثيرها، وكشفت كيف تعيد المنصات الحديثة تشكيل الوعي المجتمعي.

في العالم التقليدي، كانت السلطة السياسية أو الدينية أو القانونية تستند، بدرجات متفاوتة، إلى مؤسسات وإجراءات وضوابط تمنحها قدراً من المشروعية. أما السوشيال ميديا فقد أنتجت نمطاً آخر من السلطة؛ يمكن وصفه بـ«سلطة الزحام الجماهيري».. سلطة لا تحتاج بالضرورة إلى مؤسسة، وإنما إلى خوارزميات قادرة على دفع قصة ما إلى الصدارة، ولا تحتاج دائماً إلى حجة متماسكة، بقدر حاجتها إلى محتوى قادر على إنتاج تفاعل عاطفي سريع وقوي. وهي سلطة يصعب تحديد مصدرها أو إخضاعها للمساءلة، لأنها موزعة بين آلاف الحسابات الحقيقية والوهمية!، وتعمل غالباً بمنطق حاد لا يعترف بالمساحات الرمادية: إما أن تكون معها أو ضدها، وبعنف كبير في التعبير عن رأيك.

ورغم أن هذه «السلطة الرقمية» لا تحل محل «السلطة التقليدية»، لكنها أصبحت قادرة على موازاتها والتأثير فيها بشكل كبير، خصوصاً عندما تقع المؤسسات تحت ضغط الرأي العام. وهنا تظهر المشكلة الحقيقية؛ فعندما تبدأ شرعية الموقف في الارتباط بحجم التفاعل وعدد المشاركات، وليس بقوة الحجة أو صحة الوقائع، فإننا لا نكون أمام مجرد تطور في وسائل التعبير، بل أمام تحول في مفهوم مدى شرعيته.

وتكشف واقعة الفتاة والمطعم عن الطريقة التي يمكن أن يتحول بها التعليق الفردي إلى إكراه جماعي. تبدأ العملية – عادة – بتضخيم عاطفي للواقعة، عبر اقتطاعها من سياقها وإعادة تقديمها في صورة ثنائية شديدة الوضوح: ظالم ومظلوم، حق وباطل، اعتداء وضحية. وبعد ذلك تنتقل القضية من كونها خلافاً عملياً إلى معركة أخلاقية، فيصبح الاختلاف في تفسير الواقعة مؤشراً على الانتماء الأخلاقي أو الديني أو السياسي للشخص. ثم تدخل الحسابات الكبرى، ويتحول الموضوع إلى موجة واسعة من التفاعل، ويصبح الانضمام إليها بالنسبة للبعض واجباً اجتماعياً، بينما يتحول الصمت أو حتى التفكير فيه إلى موقف يحتاج صاحبه إلى تبريره والدفاع عنه.

وفي المرحلة الأخيرة، يصل الضغط إلى المؤسسة نفسها «إدارة المطعم في هذه الواقعة»، فتجد المطعم أو الشركة أو الجهة المعنية أمام سيل من الانتقادات والمطالبات، وقد تضطر إلى اتخاذ قرار سريع، لا لأنها اقتنعت بالضرورة بأن هذا القرار هو الأكثر عدلاً، وإنما لأن كلفة مقاومة الغضب الجماهيري أصبحت أكبر من كلفة الاستجابة له «المطعم هنا قرر فصل المدير حتى يتجنب حملات العقاب الجماعي على منصات التواصل الاجتماعي».

وتلعب الخوارزميات هنا لعبتها الشهيرة المعروفة بـ«غرف الصدى»، حيث يجد المستخدم نفسه بصورة متكررة بين أشخاص يشبهونه في الأفكار والمواقف، فينشأ وهمٌ بأن رأيه هو الرأي الطبيعي أو الوحيد المقبول. وبذلك تصبح الأصوات الأكثر قدرة على الحشد أكثر حضوراً، بينما تتراجع مساحة الأصوات الفردية والمخالفة. تبدو الساحة الرقمية، من الخارج، شديدة الصخب والتنوع، لكنها قد تكون في الحقيقة أكثر هرمية وأقل تسامحاً مع الاختلاف مما تبدو عليه.

ومن هنا ربما لا يكون السؤال الأهم في واقعة المطعم هو ما إذا كانت الفتاة مُحقّة في الصلاة داخل المكان، أو ما إذا كانت إدارة المطعم مُحقّة في منعها، فهذه أسئلة يمكن مناقشتها وفق القانون والعُرف والاعتبارات الدينية والاجتماعية. السؤال الأهم هو ما تكشفه الطريقة التي تعامل بها الجمهور مع الواقعة: هل أصبح بإمكان حملة رقمية أن تنتج قراراً في الواقع لمجرد أنها نجحت في حشد عدد هائل من المشاركات؟ وهل أصبح عدد التعليقات معياراً للحقيقة، أم أنه مجرد مؤشر على قدرة رواية معينة على الانتشار؟

هنا تظهر ملامح ما يمكن تسميته «جمهورية الانفعال»، حيث تصبح المشاعر الجماعية مصدراً متزايد التأثير في القرارات، بينما يتحول النقاش الهادئ والتحقق من التفاصيل إلى رفاهية يصعب الحفاظ عليها في عصر السرعة والتفاعل الفوري. لم تعد المشكلة دائماً في مضمون الحملة، بل في الآلية التي تمنحها القوة. فالحملة قد تبدأ دفاعاً عن حق حقيقي، لكنها تستخدم الأدوات نفسها التي يمكن أن تستخدمها جماعة أخرى لفرض موقف غير عادل. واليوم يستطيع التيار الديني أن يحشد باسم حماية المقدسات، والتيار اليساري باسم العدالة، والتيار الليبرالي باسم الحرية. الأيديولوجيات مختلفة، لكن آلية الضغط واحدة.

وهنا يصبح الخطر الحقيقي هو انهيار المعيار الموضوعي للحقيقة لصالح معيار آخر أكثر بساطة وخطورة: من يملك الجمهور الأكبر؟ فإذا أصبح عدد المتابعين والتفاعلات هو مصدر القوة، فإن المجال العام يتحول تدريجياً إلى سباق تسلح رقمي، تسعى فيه كل جماعة تفكر في مواجهة الدولة إلى امتلاك قُدرة أكبر على الحشد!

وفي النهاية، فإن السؤال الذي تطرحه واقعة المطعم يتجاوز حدودها بكثير: هل نستطيع أن نتعلم استخدام السوشيال ميديا دون أن نتحول إلى أدوات في يد آلياتها ومن يديرها؟ وهل نستطيع أن نحصل على صوت أعلى دون أن نفقد قدرتنا على الاستماع؟

الإجابة لن تأتي من المنصات وحدها، وإنما منا نحن؛ من قدرتنا على التوقف قبل المشاركة، والتحقق قبل الانحياز، ففي اللحظة التي تصبح فيها التعليقات أقوى من القانون، والجمهور أقوى من الحجة، والانفعال أسرع من الحقيقة، لا تعود السوشيال ميديا مجرد عالم افتراضي للنقاش، وإنما تصبح فخاً يُستخدم للهدم لا للبناء، وللفوضى لا للحرية.

فانتبهوا يرحمكم الله.

التعليقات معطلة.