ثقافه عامه

الكذب بوصفه فناً ثامناً في حرب إسرائيل ضدّ فلسطين!

المصدر: النهار العربيتونس – بثينة عبدالعزيز غريبي

ضورة تعبيرية

ضورة تعبيرية

بينما يعتصر القلب من مرأى أطفال يغطيهم الدمار والدّم، تقبض علينا بعض الأسئلة همّا وشجناً: أين المثقف العربي من المقاومة؟ هل يؤدي دوره المطلوب أم أنه بعيد وغائب عن أحداث بلاده المصيرية؟

على مدار عصورٍ مضت، ارتبطت المقاومة بالفكر والإبداع والأدب. المقاومة أيضاً تبدأ من هنا. من كلمة لها صدى السيف. من صوت له تأثيره على الرأي العام. من موقف يرجّ الواقع ويهزّه.

من أكثر الجمل التي تتداول على مواقع التواصل الاجتماعي منذ بدء “طوفان الأقصى”: “أين هم المشاهير؟” “أين اختفوا؟” لماذا فلان لا يساند القضية الفلسطينية وفلان آخر يلتزم الصمت؟ وأسئلة كثيرة أخرى طاولت أيضاً بعض المثقفين الذين صمتوا أو أدانوا ما فعلته حماس لكونهم لا يسعدون لرؤية الدم حتى ولو كان على العدوّ.

أعادتنا المواقف الباردة لجزء من النخبة العربية التي أصابتها فجأة متلازمة الصمت إلى كتاب المفكر اليساري الفرنسي باسكال بونيفاس الذي كان جريئاً في “سلخ” سلوكيات جزء من النخبة المثقفة في العالم وكيفية استخدامها لتوجيه الرّأي العام.

وعبّر عن ذلك في كتابه “المثقفون المزيفون” الذي رفضت قرابة 14 دار نشر طبعه لاتهامه بمعاداة السامية حين كان عضواً في الحزب الاشتراكي الفرنسي.

طرح الكاتب نماذج وصوراً واقعية عن مثقفين عالميين استغلّوا مكانتهم وموقعهم داخل النخب لتمرير حجج دفاعية عن إسرائيل وأميركا في اعتداءاتهما على فلسطين والعراق. وتبنى هذه الحجج على أسس خطابية عقلانية لا تدع مجالاً للتشكيك في مصداقيّتها.

وعادة ما يكون صنّاع هذه الحجج أصحاب مقدرة خطابية عالية وحضور كاريزماتي يشدّ الجماهير.

لكنّ ذلك لا يعني عدم وجود مساندين للقضية الفلسطينية من النخب العربية أو حتى العالمية، فالتضامن أمر بديهي ومتوقع لا يحتاج منا إلى تأمل وتحليل. بل مواقف الصمت أو التخاذل هي التي تحتاج منّا إلى وقفة تأمّل. فهل يكون المثقّف مثقفاً إذا تجرّد من مسؤولياته تجاه القضايا الإنسانية؟ وماذا يبقى منه إن تجرّد من نزاهته والتزامه بالدفاع عن حقوق الإنسان؟

لنبدأ من الشروط التي يتمّ اعتمادها بالرجوع إلى كتاب باسكال بونيفاس في خصوص المتكلمين المدافعين عن إسرائيل باعتماد التضليل والتلاعب بالعقول من خلال تقديم حجج عقلانية.

اختيار المدافعين

يقول باسكال بونيفاس إنّه “أثناء لقاء مع نسيم تزفيلي، سفير إسرائيل في فرنسا، قال له الملحق الصحافي الذي حضر اللّقاء أنّه في أواخر 2001 وأوائل 2002 (أي بعد بدء الانتفاضة الثانية وعودة المواجهات الإسرائيلية الفلسطينية)، توجّهت القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام الفرنسية الكبرى نحو السفارة الإسرائيلية لسؤالها عن أسماء خبراء غير يهود يمكن أن يدافعوا عن إسرائيل. لماذا؟ لأنّ المدافع غير اليهودي عن إسرائيل سيحظى بحيز إعلامي أكبر. أما إذا كان عربياً ومسلماً وراح ينتقد المعسكر الذي يفترض أنّه منحدر منه فإنّ أسهمه ستصعد أكثر. حضور خبير من هذا النّوع ذاته سيثبت بأنّ المواجهة ليست في الحقيقة بين يهود وعرب، ولا بين محتل وخاضع للاحتلال، بل بين أصحاب الديموقراطية وبين الأصوليين الإسلاميين. ولكي تكتمل اللّوحة يجب أن يقدّم الخبير نفسه على أنّه يساري علماني”.

يطرح بونيفاس صورة أو قالباً تأطيرياً للرأي المدافع عن إسرائيل وشكلاً من أشكال التلاعب بالعقول بالاستعانة بخبراء ليسوا من اليهود حتى يضمن مصداقية الرأي لدى الجمهور ويكون أكثر تأثيراً عليه.

أما النموذج العربي الذي ذكره بونيفاس فهو محمد السيفاوي، الجزائري العربي المهاجم الشرس للإسلام، ومن أقواله نقلاً عن باسكال بونيفاس في كتابه “المثقفون المزيفون”: “أصرّ على القول بوضوح ودون مواربة إنّه في الحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس، أؤيّد الجيش الإسرائيلي في صراعه المشروع ضدّ هذه المنظمة الإرهابية التي تحرّكها تلك الأيديولوجية الفاشية بنظريّة الإخوان المسلمين”.  كان السيفاوي إلى جانب إسرائيل باسم النضال ضد العدوّ المشترك المتمثّل بالإرهاب الإسلامي. محمد السيبفاوي 

فبركة أكاذيب

“فبركة مفاهيم جديدة هي خيانة جديدة يرتكبها المثقفون. وبدلاً من مساعدة المواطن على التفكير في ظواهر معقّدة، يمدون الرأي بمواد مشوهة وسامة فكرياً، ويفبركون الخدع الأيديولوجية”. هذه الجملة هي لباسكال بونيفاس في الكتاب نفسه.

هؤلاء يقومون بتحريف قراءة الأحداث وهم غالباً من “عشّاق” الظهور الإعلامي و”الفقز” على كلّ المنصات الإعلامية للترويج لآرائهم ومواقفهم التي تكون مغلّفة بمنطق “على كلّ إنسان أن ينعم بالسلام”، من دون مهاجمة الوحشية الإسرائيلية، بل والدفاع عنها في بعض الأحيان. وهؤلاء هم من ألصقوا بالتحركات الفلسطينية لاسترداد حقوقهم مفاهيم “الفاشية الإسلامية” و”الإرهاب” وغيرها من المفاهيم التي تقزّم من عمق القضية وتاريخيتها.

في 20 تشرين الأول/ أكتوبر لسنة 2001، وقبل المضي في حرب أفغانستان، حصلت سلسلة من العمليات الانتحارية. وبدل الضغط على إسرائيل من أجل المفاوضات، قرّر بوش قطع العلاقة مع السلطة الفلسطينية لأنها في نظره لا تحارب حماس بفعّالية. ومنذ ذلك الوقت أصبح الدفاع عن إسرائيل يمرّ عبر الربط بين الفلسطينيين والإرهاب.

ويذكر بونيفاس نماذج من المثقفين الذين اعتمدوا على حجج كاذبة في الدفاع عن إسرائيل وتضليل الرأي العام، ومن بينهم كارولين فوربيست، وتعتبر من محتكري المنصات التلفزيونية.

ومن أكثر الجمل التي تمّ تداولها عنها حينها أنه إذا كان الإسلام لا يحتكر العنف فهو الوحيد الذي لديه مخزون من القنابل البشريّة. وهي بارعة في التلاعبات الصغيرة بالوقائع، بل تكلّم بونيفاس عن ممارسة الكذب بوصفه فناً ثامناً.

 

مثقّفو الشّو بيزنس

أمّا الصنف الثاني الذين يذكرهم بونيفاس وهم المرتزقة من المثقفين الراكبين على الحدث ويعرّفهم: إنهم مثقفون نجوم في برامج show business  وكل منهم يراهن فيها على قضيته. ويتساءل حولهم الكاتب اليساري: “ألا يفضّل البعض أن يكونوا حاضرين في وسائل الإعلام على أن يقدّموا إنتاجاً فكرياً حقيقياً؟ هل يمكن للمثقف أن يكون مثقفاً ومسوّقاً إعلامياً؟ هل هذا هو الالتزام الصادق أم أنّه وسيلة لرسم صورة إيجابية بهدف كسب التعاطف العامّ وبالتالي النجاح؟ هل المغني الذي يعيش في الخارج متهرّباً من دفع الضرائب والذي يقيم حفلاً غنائياً لمصلحة مطاعم الفقراء، هل هو كريم حقاً؟ أليست مبادرته إلى دفع ضرائب في فرنسا أكثر جدوى من محاربة الفقر وأكثر صدقاً من نزعته التضامنية؟ هل يدافع المثقف عن قضية لكي يخدمها أم لكي يستخدمها لتحسين شهرته وشعبيته وحيزه الشخصي في المشهد الفكري أو تحسين مبيعات كتبه؟”.

ويقول إنّه: “يصعب وضع خطّ قاطع بين الرّغبة بالمساعدة النيات الشخصية المبيتة، ولكن في ظل صعوبة سبر القلوب والأذهان ربّما يوجد معيار لقياس الصدمة: هل يلجأ المثقف في الدفاع عن القضية إلى حجج صادقة أم أنّه لا يتردّد في الكذب؟”.

ويفسّر بونيفاس رفض الجمهور للنخب بسبب الكذب بل يقول: “عندما تكذب النخب علينا ألا نستغرب إعراض الجمهور عنها، والواقع أنّ القطيعة بين المواطنين الفرنسيين والنخب تكبر بازدياد. “المزيفون” الذين يمهدون الطريق للديماغوجيين وهذا خطر على الديموقراطية”.

خوفي أن يصحّ كتاب “المثقفون المزيفون” لباسكال بونيفاس على المثقفين العرب اليوم……