المدن الصناعية في العراق.. مشاريع مؤجلة واستثمارات مهددة بالضياع

3

 

بغداد اليوم – خاص
تمثل المدن الصناعية أحد أهم الركائز التي تعتمد عليها الدول لتنشيط الإنتاج المحلي، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

إلا أن هذا الملف في العراق ما يزال يواجه تحديات كبيرة حالت دون انتقال عشرات المشاريع من مرحلة الإعلان إلى التنفيذ، ما أثار تساؤلات بشأن أسباب التعثر وانعكاساته على الاقتصاد الوطني في ظل استمرار الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، أذ أكد الخبير في الشؤون الاقتصادية ناصر التميمي، اليوم الاحد ( 5 تموز 2026 )، أن ملف المدن الصناعية في العراق ما يزال يراوح مكانه رغم مرور سنوات على الإعلان عن عشرات المشاريع، مبيناً أن هذه المدن كان يفترض أن تتحول إلى محركات رئيسية للنمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل، إلا أنها بقيت في معظمها مشاريع مؤجلة أو متعثرة بسبب جملة من المعوقات الإدارية والتشريعية والتمويلية.

وقال التميمي، لـ”بغداد اليوم”، إن “العراق يمتلك مقومات تؤهله لإنشاء مدن صناعية متكاملة قادرة على استقطاب الصناعات المحلية والأجنبية، مستفيداً من موقعه الجغرافي وسوقه الاستهلاكية الكبيرة وموارده الطبيعية، إلا أن غياب الرؤية الاقتصادية طويلة الأمد حال دون تحويل هذه المشاريع إلى واقع إنتاجي يسهم في تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية”.

وبين أن “المستثمر، سواء المحلي أو الأجنبي، يبحث أولاً عن بيئة أعمال مستقرة وواضحة، تتوافر فيها البنى التحتية والخدمات الأساسية، فضلاً عن ضمانات قانونية وإدارية تمنحه الثقة بضخ رؤوس الأموال، والكثير من المواقع المخصصة للمدن الصناعية ما تزال تفتقر إلى شبكات الكهرباء والمياه والطرق والاتصالات، الأمر الذي يجعل كلفة الاستثمار فيها مرتفعة مقارنة بدول المنطقة”.

وأضاف أن “تعدد الجهات المسؤولة عن منح الموافقات والإجازات الاستثمارية، فضلاً عن الروتين الإداري وتعقيد الإجراءات، يمثل أحد أبرز الأسباب التي تدفع المستثمرين إلى التراجع أو نقل مشاريعهم إلى أسواق أكثر استقراراً وسرعة في إنجاز المعاملات”، مؤكداً أن “الوقت أصبح عاملاً حاسماً في قرارات الاستثمار”.

وأكد أن “التحديات لا تقتصر على الجوانب الإدارية، وإنما تمتد إلى غياب الحوافز الاقتصادية الحقيقية، إذ إن المستثمر يحتاج إلى إعفاءات ضريبية وجمركية واضحة، وتسهيلات مصرفية، وضمانات لحماية رأس المال، إضافة إلى تشريعات مستقرة لا تتغير باستمرار، وهو ما لا يزال يشكل أحد أبرز نقاط الضعف في البيئة الاستثمارية العراقية”.

وتابع أن “نجاح المدن الصناعية يرتبط أيضاً بوجود منظومة نقل ولوجستيات حديثة تربطها بالمنافذ الحدودية والموانئ والأسواق المحلية، فضلاً عن توفير مصادر طاقة مستقرة، لأن أي انقطاع أو ضعف في الخدمات يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج ويقلل من القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية”.

وشدد التميمي على أن “المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من مرحلة الإعلان عن المشاريع إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، عبر اعتماد شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، ومنح المحافظات صلاحيات أوسع في إدارة المدن الصناعية، وإنشاء نافذة استثمارية موحدة تختصر الإجراءات وتحد من البيروقراطية، إلى جانب تفعيل الرقابة على نسب الإنجاز ومحاسبة الجهات المقصرة”.

وتابع الخبير في الشؤون الاقتصادية قوله: إن “المدن الصناعية ليست مجرد مشاريع إنشائية، بل تمثل ركيزة أساسية لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي، وزيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي، واستحداث آلاف فرص العمل، وتقليل الاستيراد، وتأخير تنفيذها يعني استمرار الاقتصاد في الاعتماد شبه الكامل على النفط، وهو ما يجعل البلاد أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية والأزمات المالية”.

يشار الى أن العراق شهد خلال السنوات الماضية الإعلان عن عدد من مشاريع المدن الصناعية في محافظات مختلفة، ضمن خطط تستهدف تنويع الاقتصاد وتعزيز مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي، غير أن العديد من هذه المشاريع واجه عراقيل تتعلق بالبنى التحتية، وتعقيد الإجراءات الإدارية، وتعدد الجهات المعنية بمنح الموافقات، فضلاً عن ضعف الحوافز الاستثمارية، ما أدى إلى تأخر تنفيذها أو توقفها، في وقت يؤكد فيه مختصون أن تفعيل المدن الصناعية يعد خطوة أساسية لجذب الاستثمارات، وتقليل البطالة، ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة.

التعليقات معطلة.