المشروع الوطني العراقي

7

 

 

العراق يحتاج دولة،،،لا سلطة

 

الورقة السادسة

 الفاعلون في المشروع الوطني وأدوارهم وحدود تأثيرهم من الإمكان إلى الفاعلية

مقدمة

إذا كانت شروط المشروع الوطني تحدد إمكانية ظهوره، فإن الفاعلين هم الذين يحددون إمكانية تحققه.

فالمشاريع الوطنية لا تولد من الأفكار وحدها، ولا من الأزمات وحدها، بل من قدرة قوى اجتماعية وسياسية ومؤسسية على تحويل الحاجة إلى فعل، والرؤية إلى مسار، والإمكان إلى واقع.

وفي التجربة العراقية كثيرًا ما جرى التركيز على الأزمة أو على الحلول المقترحة، بينما ظل السؤال الأهم مؤجلًا: من هي القوى القادرة على حمل المشروع الوطني؟ وما حدود قدرتها على التأثير؟

هذه الورقة لا تبحث عن “منقذ” فردي، بل تحاول فهم شبكة الفاعلين الذين يمكن أن يسهموا في صناعة التحول الوطني، وأدوارهم الحقيقية، وحدود تأثير كل منهم.

أولًا: الدولة بوصفها الفاعل المركزي

رغم ما أصاب مؤسسات الدولة من ضعف وتشوه، فإنها تبقى الفاعل الأكثر تأثيرًا في أي مشروع وطني.

فالدولة تمتلك الشرعية القانونية، والمؤسسات، والموارد، والقدرة على تحويل الرؤى إلى سياسات عامة.

لكن المشكلة أن الدولة العراقية خلال العقود الأخيرة لم تعمل دائمًا بوصفها دولة وطنية جامعة، بل تأثرت بالاستقطابات والصراعات والتوازنات السياسية.

لذلك فإن المشروع الوطني لا يمكن أن ينجح ضد الدولة، بل عبر استعادة دورها وإعادة بناء قدرتها على العمل كمؤسسة تمثل الجميع.

ثانيًا: النخب السياسية بين المسؤولية والعائق

تمثل النخب السياسية أحد أهم الفاعلين بحكم امتلاكها أدوات القرار والتشريع والإدارة.

غير أن هذه النخب تتحمل أيضًا جزءًا كبيرًا من مسؤولية الأزمة الحالية، لأن كثيرًا من ممارساتها أسهمت في تكريس الانقسام وإضعاف الدولة.

ومع ذلك فإن تجاهلها أو إقصاءها بالكامل ليس خيارًا واقعيًا، لأن أي عملية تحول تحتاج إلى إعادة توجيه جزء من النخب السياسية نحو مشروع إصلاحي أوسع.

دور النخب ليس قيادة المشروع وحدها، بل المشاركة في إعادة إنتاج قواعد سياسية جديدة أكثر استقرارًا.

ثالثًا: المجتمع والقوى الاجتماعية

لا يمكن لأي مشروع وطني أن يعيش طويلًا دون قاعدة اجتماعية حاضنة.

فالمجتمع ليس مجرد متلقٍ للسياسات، بل مصدر للشرعية والقوة والاستمرارية.

وتشمل هذه القاعدة فئات متعددة من المواطنين، والنقابات، والمنظمات المهنية، والمؤسسات الأكاديمية والثقافية، وسائر التشكيلات المدنية القادرة على إنتاج الوعي والدفاع عن المصالح العامة.

لكن تأثير المجتمع يبقى محدودًا إذا ظل مشتتًا أو محكومًا بردود الفعل الآنية.

رابعًا: الشباب بوصفهم قوة التحول المستقبلية

يمثل الشباب أحد أهم الموارد الاستراتيجية لأي مشروع وطني.

فهم الفئة الأقل ارتباطًا بالانقسامات التقليدية، والأكثر احتكاكًا بمتطلبات العصر، والأكثر تضررًا من استمرار الأزمات.

لكن الشباب وحدهم لا يصنعون مشروعًا وطنيًا، ما لم تتحول طاقاتهم إلى عمل منظم ورؤية واضحة وأدوات سياسية ومؤسسية قادرة على التأثير.

إن قيمة الشباب لا تكمن في الاحتجاج فقط، بل في قدرتهم على المشاركة في إعادة بناء المجال العام.

خامسًا: النخب الفكرية والثقافية

كل مشروع وطني يحتاج إلى عقل يوجهه بقدر حاجته إلى قوى تنفذه.

وهنا يبرز دور النخب الفكرية والأكاديمية والثقافية في إنتاج الأفكار، وتطوير الرؤى، ونقد الاختلالات، وصياغة البدائل.

لكن أحد تحديات العراق يتمثل في الفجوة القائمة بين المجال الفكري والمجال السياسي، حيث بقيت كثير من الأفكار حبيسة النقاشات النظرية دون أن تتحول إلى سياسات أو برامج عملية.

سادسًا: القطاع الاقتصادي والفاعلون الاقتصاديون

الاقتصاد ليس مجرد مورد للدولة، بل عنصر مؤثر في الاستقرار السياسي والاجتماعي.

فالقطاع الخاص، ورجال الأعمال، والمؤسسات الاقتصادية، يمكن أن يكونوا شركاء في بناء مشروع وطني إذا ارتبطت مصالحهم باستقرار الدولة ونموها.

أما حين تصبح البيئة الاقتصادية رهينة الفساد والاحتكار وعدم الاستقرار، فإن الاقتصاد يتحول من عامل دعم إلى عامل إعاقة.

سابعًا: الفاعلون الإقليميون والدوليون

لا يتحرك العراق في فراغ جيوسياسي، بل داخل شبكة معقدة من المصالح والتوازنات الإقليمية والدولية.

وهؤلاء الفاعلون يمتلكون تأثيرًا حقيقيًا في البيئة السياسية والأمنية والاقتصادية العراقية.

لكن المبالغة في تقدير دور الخارج لا تقل خطورة عن تجاهله.

فالعامل الخارجي قد يؤثر في مسار المشروع الوطني، لكنه لا يستطيع أن يصنعه من العدم إذا غابت الإرادة الوطنية، كما لا يستطيع إيقافه بسهولة إذا امتلك قاعدة داخلية صلبة.

ثامنًا: حدود تأثير الفاعلين

أحد الأخطاء الشائعة هو الاعتقاد أن جهة واحدة قادرة على إنتاج التحول بمفردها.

فالدولة وحدها لا تكفي، والنخب وحدها لا تكفي، والشباب وحدهم لا يكفون، كما أن المجتمع وحده لا يستطيع إنجاز المهمة.

المشروع الوطني الحقيقي هو نتاج تفاعل مجموعة من الفاعلين الذين يعملون ضمن رؤية مشتركة وأهداف متقاربة.

وحين تغيب هذه الرؤية يتحول تعدد الفاعلين إلى مصدر صراع، لا مصدر قوة.

خاتمة

إن المشروع الوطني لا يتحقق بمجرد توافر الشروط الموضوعية، بل يحتاج إلى فاعلين قادرين على حمله وتحويله إلى واقع.

غير أن وجود الفاعلين وحده لا يكفي أيضًا، لأن تعدد القوى من دون مرجعية مشتركة قد ينتج تنافسًا جديدًا بدل أن ينتج مشروعًا وطنيًا جامعًا.

ولهذا يصبح السؤال التالي أكثر أهمية:

ما هي الرؤية الوطنية القادرة على توحيد هذه القوى المختلفة داخل إطار واحد، وتحويل جهودها المتفرقة إلى مشروع تاريخي منظم؟

 

غدا: الرؤية الوطنية بوصفها الإطار الفكري والسياسي للمشروع الوطني.

التعليقات معطلة.