
يشكل حلول شهر رمضان ومن بعده عيد الفطر، فرصة ثمينة بالنسبة للعديد من الأردنيات الباحثات عن مصادر دخل، إذ تبرز في أجواء كهذه من كل عام ما تُعرف بـ”المطابخ الإنتاجية”، وفيها تنهمك النساء بمضاعفة إنتاج المأكولات والحلويات لبيعها جاهزة.
والمطابخ الإنتاجية في الأردن ليست جديدة، لكنها انتشرت على نحو لافت خلال السنوات الأخيرة في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، وكذلك مع بحث الكثير من السيدات عن مجالات عمل من داخل منازلهن، ولا سيما من لا يمتلكن شهادات علمية أو خبرات في مجالات عمل أخرى، مستفيدات بهذا الخصوص من منصات التواصل الاجتماعي والوصول من خلالها إلى أكبر عدد ممكن من الزبائن.
ووفق أرقام رسمية، يقبع الأردن في مراتب متدنية عالمياً بنسبة الحضور النسائي في بيئات العمل، والتي لا تصل إلى 15%، فيما تقارب نسبة البطالة بصفوف الإناث 30%.
تجربة ملهمة
وتعكس قصة الشيف غادة خريوش في منطقة الهاشمي الشمالي، إحدى مناطق شرق العاصمة عمان، واقع العديد من النساء الأردنيات ممن انخرطن بالعمل في المطابخ الإنتاجية، وهي التي بدأت في هذا المجال قبل نحو 18 عاماً، وتمكنت على مدى تلك الأعوام من المساهمة في تعليم أبنائها بالجامعات وتأمين العديد من مستلزمات الأسرة، رغم أنها بدأت بتطوير مشروعها من خلال الحصول على قروض من صندوق المرأة.
وتؤكد خريوش لـ”النهار العربي” أن زوجها وابنتها المحامية (25 عاماً) وابنيها المحاسبيْن (27 و28 عاماً) جميعهم منخرطون في العمل معها وإسنادها في إنجاح مطبخها الإنتاجي رغم انشغالهم في مجالات العمل باختصاصاتهم، لافتة بهذا الخصوص إلى أنها تستعين في ظروف معينة يكون ضغط العمل فيها كبيراً بعاملات على “نظام المياومة”.
وتطرقت كذلك إلى الدور المهم لمنصات التواصل الاجتماعي في مساعدتها على الانتشار واستقطاب المزيد من الزبائن، خصوصاً في شهر رمضان ومن بعده عيد الفطر، وهما المناسبتان اللتان يتضاعف فيهما الطلب على المأكولات والحلويات، لا سيما “الطلبيات الكبيرة” المرتبطة بمبادرات إقامة الإفطارات الجماعية.
لكن خريوش أبدت امتعاضها من ارتفاع أسعار السلع تزامناً مع حلول شهر رمضان كل عام، مشيرة إلى أنه وفي هذه الأيام، تشهد أسعار اللحوم تحديداً قفزة لافتة تضع السيدات العاملات في المطابخ الإنتاجية في مأزق الكلف وكيفية تغطيتها.
وبينت خريوش أنها لا تعمل وحدها في مطبخها الانتاجي، بل يساعدها أفراد من أسرتها في ذلك، وفقاً لمهام كل واحد منهم، مشيرة إلى حرصها الدائم على التمكين والتطوير من خلال الالتحاق بالدورات التدريبية المختلفة وتعلّم فنون الطهي لدول عربية وأجنبية، كما تعلّمت فن صناعة الشوكولاتة والحلويات.

وفي مدينة السلط مركز محافظة البلقاء، تقول أم عماد لـ”النهار العربي” إنها و3 من بناتها يضعن اللمسات الأخيرة على مختلف التجهيزات اللازمة لإعداد المأكولات والحلويات في شهر رمضان، مؤكدة أن عجلة مطبخها الإنتاجي تدور في رمضان وعيدي الفطر والأضحى فقط، بوصف هذه المناسبات فرصة ثمينة لتحقيق دخل مجزٍ.
وأضافت أنها لا تستطيع العمل على مدار العام، كون ظروفها الصحية لا تسمح لها بذلك، فضلاً عن أن بناتها لا يستطعن أيضا لانشغالهن بالدراسة، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن مساحة منزلها لا تسعفها في توسيع حجم العمل والإنتاج.
ووفق أم عماد، فإن بدايتها في العمل بهذا المجال بدأت منذ 6 سنوات على نطاق ضيق جداً، عندما كانت تعد طعام الغداء لعدد من الأسر التي تضم أمهات عاملات ممن يفضلن دفع مبالغ مالية مقابل التخلص من عبء إعداد الطعام لضيق وقتهن، لافتة إلى أن عدد الأسر التي باتت تقبل عليها أخذ يتزايد في المنطقة ومحيطها.

لكن أم عماد لم تستطع الاستمرار بوتيرة عمل يومي بسبب الظروف التي ذكرتها سابقا، واختارت أن تعمل في شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى كي تحافظ على مصدر دخل مجد، على حد تعبيرها.
وترى المتخصصة في علم الاجتماع تسنيم السعايدة، أن توسع عمل السيدات في المطابخ الإنتاجية وغيرها من المهن ومجالات العمل، من شأنه أن ينعكس بشكل أو بآخر على أرقام الفقر والبطالة، فضلاً عن أهمية تعزيز اعتماد المرأة على نفسها وتمكينها من أن تكون لها بصمة في سوق العمل والإنتاج.
وتطرقت السعايدة إلى أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة والخانقة لبعض الأسر، ساهمت في دفع الكثير من السيدات ممن يمتلكن الطموح والإرادة القوية إلى إيجاد مصادر دخل يعلن بها أنفسهن وعائلاتهن من خلال العمل في مشاريع إنتاجية بسيطة.
تطوير المهارات وتحسين المنتج
وقالت إن عمل السيدات في المطابخ الإنتاجية، طوّر من مهاراتهن وحرصهن على تحسين المنتج بما يتوافق مع شروط السلامة العامة والنظافة وابتكار العديد من الأطباق على مستوى الأكلات أو الحلويات.

ولفتت السعايدة إلى أهمية تكثيف مشاركة المرأة في سوق العمل بوصف ذلك حجر الأساس للتمكين الاقتصادي ومن ضروريات الوصول عملية التنمية المستدامة، معتبرة أن “المشاريع الإنتاجية النسائية وإن كانت صغيرة إلا أنها تبرز دور المرأة اقتصادياً ضمن الإمكانيات المتاحة، وتكسبها العديد من المهارات في مختلف المجالات والقطاعات، وتجعلها أيضا أكثر قدرة على اتخاذ القرار والثقة بنفسها، وتحفيز الريادة بداخلها”.

