لا تُقاس قوة التحالفات بعدد أعضائها، بل بقدرتها على الاتفاق في تعريف الخطر. وهذا ما كشفت عنه قمة إسطنبول الأخيرة. فبينما بدا حلف شمال الأطلسي متماسكا بصورة لافتة في دعمه لأوكرانيا، ظهر أكثر ترددا عندما انتقل النقاش إلى إيران.
هذا التباين ليس تفصيلاً عابرا، بل يعكس اختلافا في الرؤية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين. ففي أوكرانيا، اتفق الجميع على أن روسيا تمثل تهديدا مباشرا للأمن الأوروبي، لذلك لم يكن من الصعب حشد الإرادة السياسية والعسكرية وتقديم عشرات المليارات من اليوروهات دعما لكييف.
أما في الملف الإيراني، فقد بدا التوافق أكثر ضيقا. وضعفا فقد أكد الحلف رفضه امتلاك إيران سلاحا نوويا، وشدد على حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز، لكنه لم يتجاوز هذين العنوانين إلى الملفات التي تراها واشنطن، كما ترى كثير من الدول العربية، جوهر المشكلة: النفوذ الإقليمي، وبرنامج الصواريخ، ودعم الجماعات المسلحة، والتدخل في شؤون الدول، والسلاح الخارج عن سلطة الدولة.
وهنا ظهر الفارق الحقيقي.
فالناتو نجح في توحيد تعريف الخطر الروسي، لكنه لم ينجح حتى الآن في توحيد تعريف الخطر الإيراني. وبينما تنظر واشنطن إلى المشروع الإيراني باعتباره منظومة متكاملة من النفوذ العسكري والسياسي والأمني، ما تزال عواصم أوروبية عدة تميل إلى التعامل معه بوصفه أزمة يمكن إدارتها ومنع انفجارها، لا مشروعا يستوجب الحسم.
ولعل هذا ما يفسر أن قمة إسطنبول قدمت رسائل طمأنة لإسرائيل في حدود الملف النووي وأمن الملاحة، لكنها لم تعالج بالوضوح نفسه الهواجس العربية المتراكمة منذ سنوات؛ هواجس تتعلق بتمدد النفوذ الإيراني، والصواريخ، ودعم الجماعات المسلحة، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية. وبذلك بقيت أولويات عدد من العواصم العربية خارج دائرة التوافق الأطلسي، رغم أنها تمثل جوهر الأزمة من منظورها.
ومن هنا يمكن فهم سبب إعادة واشنطن حساباتها. فالرئيس دونالد ترامب، الذي رأى الناتو يتوحد بقوة خلف أوكرانيا، وجد أن الحماس ذاته لا يتكرر عندما يتعلق الأمر بإيران. وقد يدفعه ذلك إلى إعادة تقييم حدود الاعتماد على الإجماع الأطلسي في ملفات الشرق الأوسط، ولا سيما إذا تعارضت أولويات الحلف مع الرؤية الأمريكية.
وفي هذا السياق، تكتسب زيارة ترامب إلى بريطانيا بعد الضربات الأخيرة على إيران أهمية خاصة. فهي لا تبدو مجرد زيارة بروتوكولية، بل تعكس سعيا لتقريب المواقف مع أقرب الحلفاء، واختبار مدى استعدادهم للانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة أكثر حسما إذا اقتضت التطورات ذلك.
لقد أثبت التاريخ أن الولايات المتحدة لا تنتظر دائما إجماع الحلفاء عندما تعتبر أن مصالحها الاستراتيجية مهددة. فهي كثيرا ما تقود التحولات أولًا، ثم يأتي الاصطفاف الدولي لاحقا عندما تتضح نتائجها. لذلك، فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت واشنطن ستتحرك منفردة، بل ما إذا كان الناتو سيستطيع البقاء خارج معادلة قد تعيد رسم التوازنات في الشرق الأوسط.
إن حرب أوكرانيا لم تختبر فقط تماسك الحلف، بل كشفت قدرته على توحيد تعريف التهديد. أما الأزمة مع إيران، فقد كشفت أن هذا التعريف لم يعد محل إجماع كامل، وأن أولويات الأمن الأوروبي ليست بالضرورة هي أولويات الأمن في الشرق الأوسط.
ولهذا، فإن قمة إسطنبول قد لا تُسجل في التاريخ باعتبارها قمة توافق، بل باعتبارها القمة التي كشفت حدود الوحدة داخل الناتو. فحين يتفق الحلف على تعريف الخطر، يصبح اتخاذ القرار مسألة وقت. أما حين يختلف على تعريفه، فإن كل الخيارات تبقى مفتوحة، بما فيها أن تمضي الولايات المتحدة في مسارها، ثم تجد الحلفاء يلتحقون بها لاحقا.
فأوكرانيا وحّدت الناتو… أما إيران، فقد وضعت تلك الوحدة أمام أصعب اختبار لها.

