ليست كل زيارة سياسية حدثا استثنائيا، لكن بعض الزيارات يفرض توقيتها أن تُقرأ بوصفها رسالة أكثر منها لقاءً دبلوماسيا. ومن هذا النوع جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى طهران، فهي لم تكن مجرد محطة في برنامج العلاقات الثنائية، بل خطوة سياسية تحمل رسائل متعددة، تختلف قراءتها باختلاف العواصم التي تراقب المشهد العراقي.
فالعراق، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح، لا يستطيع أن يدير ظهره لإيران، كما لا يستطيع أن يتجاهل الولايات المتحدة أو عمقه العربي. لكن السياسة لا تُقاس بحركة الطائرات، بل بتوقيت الرحلات، والرسائل التي تحملها، والطريقة التي يفسرها الآخرون.
وجاءت زيارة الزيدي لطهران بعد وقت قصير من زيارة واشنطن، وما رافقها من حديث عن مرحلة جديدة في العلاقات العراقية–الأمريكية، الأمر الذي أثار قلق القوى السياسية الموالية لإيران، والتي رأت في تلك الزيارة احتمالًا لتحول تدريجي في تموضع بغداد الإقليمي.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن أحد أبرز أهداف زيارة طهران كان احتواء ذلك القلق، وتأكيد أن العلاقة مع إيران ما زالت قائمة، وأن بغداد لا تنوي إدارة ظهرها لحليفها الشرقي.
لكن هل كانت هذه الرسالة هي الوحيدة؟
بالتأكيد لا.
فالسياسة لا تعرف الرسائل أحادية الاتجاه. ففي طهران، قُرئت الزيارة باعتبارها تأكيدا على أن نفوذها داخل العراق ما زال قائما رغم الضغوط غير المسبوقة التي تواجهها. وفي واشنطن، ستُقرأ باعتبارها اختبارا عمليا لحدود التقارب الذي تحدثت عنه الحكومة العراقية خلال زيارتها الأخيرة. أما في العواصم العربية، فسيبقى السؤال حاضرا: هل يتحرك العراق بوصفه دولة مستقلة في قرارها، أم أنه ما زال يحاول إدارة التوازن بين محورين يتجهان نحو مواجهة أكثر حدة؟
وهنا نصل إلى جوهر القضية.
فالمشكلة ليست في زيارة طهران بحد ذاتها، بل في الاعتقاد أن سياسة التوازن ما زالت قابلة للحياة كما كانت في السابق. لقد نجحت هذه السياسة سنوات طويلة لأنها استندت إلى وجود هوامش واسعة للمناورة، أما اليوم فإن تلك الهوامش تتآكل بسرعة، بينما ترتفع كلفة الغموض السياسي يوما بعد آخر.
فالولايات المتحدة تريد شريكا واضحا في خياراته، لا شريكا يتنقل بين العاصمتين بحثا عن إرضاء الجميع. وإيران، وهي تواجه مرحلة من الضغوط والعزلة، تريد حلفاء أكثر التزاما، لا أكثر حيادا. أما الدول العربية، فلم تعد تنظر إلى العراق باعتباره مجرد جار، بل باعتباره ركيزة أساسية في معادلة الأمن الإقليمي، ولذلك تنتظر منه سياسة تعكس استقلال قراره الوطني.
والأهم من ذلك كله أن الداخل العراقي نفسه تغيّر.
فالعراقيون، بعد أكثر من عقدين من الصراعات والأزمات، لم يعودوا يبحثون عن حكومة تتقن إدارة التوازنات الخارجية بقدر ما يبحثون عن دولة تمتلك قرارها الوطني، وتبني علاقاتها الخارجية على أساس مصالح العراق أولًا، لا على أساس ضرورات التوفيق بين مصالح الآخرين.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي تفرضه زيارة طهران ليس: لماذا ذهب رئيس الوزراء؟ بل: إلى متى يستطيع العراق الاستمرار في الوقوف بين مشروعين يتجهان نحو مزيد من التصادم؟
إن الشرق الأوسط يُعاد تشكيله أمام أعيننا، والعالم يشهد تحولات متسارعة تفرض على الدول مواقف أكثر وضوحا، لا مزيدا من المناورات. وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر أمام الحكومة العراقية اليوم.
فالاستمرار بسياسة «مسك العصا من المنتصف» أصبح أكثر كلفة من أي وقت مضى، ليس فقط لأن الداخل العراقي لم يعد يحتملها، بل لأن البيئة الإقليمية والدولية نفسها لم تعد تمنح المساحات التي كانت متاحة في السابق.
لقد تكون زيارة طهران نجحت في تهدئة مخاوف القوى الموالية لإيران بعد زيارة واشنطن، لكنها في المقابل رفعت مستوى التساؤلات لدى الولايات المتحدة، وأبقت الشكوك قائمة لدى المحيط العربي. وبذلك، فإنها لم تُنهِ الجدل، بل نقلته إلى مرحلة أكثر حساسية.
وفي تقديري، لن تُسجل هذه الزيارة في التاريخ السياسي العراقي باعتبارها مجرد زيارة رسمية، بل باعتبارها إحدى المحطات التي كشفت أن العراق يقترب من لحظة لم يعد فيها تأجيل الخيارات ممكنا.
ففي زمن إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات، لم يعد السؤال: إلى أين يسافر رئيس الوزراء؟ بل أصبح السؤال الأهم: إلى أين تمضي الدولة العراقية؟
وهذا هو السؤال الذي لن تستطيع أي حكومة عراقية تأجيل الإجابة عنه طويلًا.

