في العراق، لا تُصنع الحكومات فقط داخل قبة البرلمان، بل تُطبخ على نارٍ هادئة بين عواصم القرار، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم الإرادات. وما يبدو ظاهرياً أزمة داخلية معقّدة، هو في جوهره انعكاس مباشر لصراع نفوذ بين واشنطن وطهران، لكلٍ منهما “فيتو” غير معلن، لكنه حاسم.
منذ سنوات، لم يعد تشكيل الحكومة العراقية مسألة أرقام انتخابية أو تحالفات سياسية تقليدية، بل أصبح اختباراً دقيقاً لميزان القوى الإقليمي. أي مرشح لرئاسة الوزراء لا بد أن يمر عبر بوابتين: الأولى ترضي الولايات المتحدة، والثانية لا تستفز إيران. وبين هذين الشرطين، يضيع العراق… وتُعلّق الدولة.
الفيتو الأمريكي ليس جديداً، لكنه بات أكثر وضوحاً بعد تصاعد التوتر مع إيران. واشنطن لا تبحث فقط عن شريك سياسي في بغداد، بل عن ضمانة استراتيجية: حكومة لا تسمح بتحول العراق إلى منصة تهديد لمصالحها أو لحلفائها في المنطقة. لذلك، ترفض أي شخصية تُصنّف ضمن المحور الإيراني، أو تُظهر ميلاً لتقويض النفوذ الغربي.
في المقابل، الفيتو الإيراني يعمل بالمنطق ذاته، لكن من زاوية معاكسة. طهران ترى في العراق عمقاً استراتيجياً لا يمكن التفريط به، وتعتبر أي حكومة “محايدة” فعلياً انحيازاً ضدها. لذلك، فهي ترفض أي رئيس وزراء قد يفتح الباب لإعادة تموضع العراق خارج دائرة نفوذها، أو يهدد شبكة القوى التي بنتها خلال العقدين الماضيين.
المشكلة أن العراق لم يعد يمتلك خيار الاستقلال الكامل في قراره السياسي. القوى الداخلية نفسها باتت جزءاً من هذا الاشتباك، بعضها يراهن على الدعم الأمريكي، وبعضها الآخر يستند إلى الغطاء الإيراني. وهكذا، تتحول العملية السياسية إلى ساحة تصفية حسابات، لا إلى آلية لإدارة الدولة.
النتيجة واضحة: انسداد سياسي مزمن، حكومات مؤقتة، وتأجيل دائم للحلول. المواطن العراقي، الذي يفترض أن يكون محور العملية الديمقراطية، أصبح المتضرر الأول من هذا الصراع. الخدمات تتراجع، الاقتصاد يتآكل، والثقة بالدولة تتآكل أكثر فأكثر.
لكن الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع يرسّخ نموذج “الدولة المعلقة” ، دولة لا تنهار بالكامل، لكنها لا تستقر أيضاً. دولة تعيش في منطقة رمادية، تُدار بالأزمات بدلاً من أن تُحلّ.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يمكن للعراق أن يكسر هذا القيد المزدوج؟
الإجابة ليست سهلة. فالتخلص من الفيتو الخارجي يتطلب أولاً قراراً داخلياً مستقلاً، وهذا القرار يحتاج إلى طبقة سياسية تمتلك الشجاعة لتغليب المصلحة الوطنية على حسابات النفوذ. كما يتطلب دعماً شعبياً واعياً يرفض أن يكون البلد ساحة صراع بالوكالة.
حتى ذلك الحين، سيبقى العراق يدور في الحلقة ذاتها: مرشحون يُطرحون ثم يُسحبون، تحالفات تتشكل ثم تتفكك، وحكومة تولد بصعوبة أو لا تولد أصلاً.
بين فيتو أمريكي يخشى فقدان النفوذ، وفيتو إيراني يخشى خسارة المكتسبات… يقف العراق معلقاً، بلا حكومة، وبلا أفق واضح.
وما لم تتغير قواعد اللعبة، سيبقى السؤال مفتوحاً:
هل المشكلة في من يحكم العراق… أم في من يقرر من يحكمه؟

