تراجع مكانة إسرائيل في أميركا ولكن العلاقات بين البلدين صامدة

3



عزز الخلاف “المجنون” بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترمب الشعور داخل إسرائيل بأنها تحولت إلى دولة لم يعد مواطنوها أنفسهم يتعرفون إليها

ماري ديجيفسكي كاتبة

اتهامات المعارضة بأن نتنياهو بدا خاضعاً تماماً وجعل إسرائيل تبدو كـ”دولة تابعة” قد تنطوي على قدر من الحقيقة، لكنها ليست الحقيقة كاملة (رويترز)


ملخص
المشادة الحادة بين ترمب ونتنياهو لا تعني بالضرورة نهاية العلاقة الأميركية – الإسرائيلية، لكنها تكشف تراجعاً عميقاً في صورة إسرائيل ومكانتها داخل الولايات المتحدة والعالم. اتهامات المعارضة لنتنياهو بأنه جعل إسرائيل تبدو كـ”دولة تابعة” تتغذى من حملة انتخابية شرسة، ومن قلق أوسع إزاء غزة وإيران وفقدان إسرائيل جزءاً كبيراً من رصيدها الدولي.

حين ظهرت تقارير، باتت الآن مؤكدة إلى حد كبير، عن مشادة غاضبة تخللتها ألفاظ نابية بين دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو، استُخلص استنتاجان على نطاق واسع.

الاستنتاج الأول، الذي خلص إليه غالباً من هم خارج إسرائيل، أن ما حدث ينذر بنهاية أي علاقة معقولة بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بل ربما بنهاية التحالف الطويل الأمد نفسه. أما الاستنتاج الثاني، الذي خلصت إليه أساساً شخصيات معارضة داخل إسرائيل، فهو أن نتنياهو رضخ للضغوط الأميركية وأكد وضع إسرائيل كدولة تابعة. وربما بدا هذان الاستنتاجان بديهيين، غير أن أياً من الاستنتاجين لا يعكس الصورة كاملة.

فتلك المكالمة الهاتفية لا تنذر بنهاية العلاقة بين ترمب ونتنياهو، ولا حتى ببداية نهايتها. فلترمب، كيف نقول ذلك، أسلوب غير تقليدي في الحديث مع القادة الآخرين، وكلمتا “صريح” أو “مباشر” لا تفيان بالغرض حقاً. وعندما سُئل لاحقاً عن المكالمة، قال ترمب من تلقاء نفسه إن تبادلاً حاداً جرى خلالها، معترفاً بأنه وصف نتنياهو بأنه “مجنون تماماً” بسبب تخطيطه لقصف بيروت.

لكنه تابع قائلاً: “لا أستطيع القول إنني كنت غاضباً. كنت منزعجاً بعض الشيء من قتاله المستمر مع لبنان…”. ثم أضاف: “أنا أحب بيبي كثيراً، وأعمل معه بصورة جيدة جداً”. بعبارة أخرى، حصل ترمب على ما أراده، ولا ضغائن، وغداً يوم آخر.

ينتمي نتنياهو إلى فئة الإسرائيليين المتأثرين بشدة بالثقافة الأميركية، إذ انتقلت عائلته إلى الولايات المتحدة عندما كان في الـ14 من عمره. وتلقى هناك جزءاً كبيراً من تعليمه، وربما يكون أكثر قادة إسرائيل “تأثراً بالنمط الأميركي”. ويمكنه أن يكون مباشراً وفظاً تقريباً مثل ترمب نفسه، لكنه يعرف أيضاً، في الغالب، متى لا تكون المواجهة في مصلحته.

لا يُعرف ما إذا كان ترمب قد استخدم التهديد أو الوعود لإقناع نتنياهو بالتراجع عن عملية بيروت. لكن الواضح أن هاجسه كان منع أي خطوة تزيد اضطراب لبنان، أو تعرقل خصوصاً اتفاقاً أميركياً محتملاً مع إيران. صحيح أن رفض “حزب الله” الآن أحدث شروط وقف إطلاق النار مع إسرائيل يضيف عاملاً جديداً إلى المشهد، لكنه لا يبدو كافياً لدفع ترمب إلى تغيير موقفه.

وبما أن نتنياهو قبل، وإن على مضض، بالشروط التي وضعها ترمب، فإن اتهامات المعارضة له بأنه تصرف كـ”ممسحة” وجعل إسرائيل تبدو كـ”دولة تابعة” قد تنطوي على قدر من الصحة. لكنها ليست الحقيقة كاملة. فهناك اعتماد متبادل بين الجانبين، إذ تملك إسرائيل القدرة على إلحاق الضرر باتفاق أميركي – إيراني، إن لم يكن إفشاله. وهذه الاتهامات، الصادرة عن وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان وآخرين، يجب أن تُفهم في سياق الحملة الانتخابية الإسرائيلية التي بدأت للتو، والتي يُتوقع أن تكون من بين الأشرس في تاريخ البلاد.

ويكفي استعراض موجز للقضايا المطروحة لفهم السبب. من بينها تحديد المسؤولية عن هجمات “حماس” في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، التي تعكس، في الحد الأدنى، فشلاً كارثياً للاستخبارات الإسرائيلية. وسيستمر أيضاً الجدل حول ما إذا كان ينبغي أن تتقدم الحملة على غزة على مفاوضات إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين. وستخضع إدارة الحرب في غزة لتدقيق متجدد، وسط تساؤلات عن كلفتها مقارنة بما حققته من مكاسب. وستكون مسألة إلزام اليهود الأرثوذكس بالخدمة العسكرية موضع خلاف أيضاً.

اقرأ المزيد

توبيخ ترمب لنتنياهو “المجنون” يضعه في موقف صعب داخليا

كيف أدار ترمب علاقته بنتنياهو خلال المفاوضات مع إيران؟

الرأي العام الأميركي وإسرائيل… هل بدأ الافتراق؟

هل يمكن لإسرائيل أن تستغني عن المساعدات العسكرية الأميركية؟
ولا تقف القضايا عند هذا الحد. فالعلاقات الإسرائيلية – الأميركية ستكون بدورها حاضرة في الحملة، إلى جانب إخفاق الولايات المتحدة، كما يبدو الآن، في القضاء على النظام الإسلامي في إيران وإنهاء برنامجه النووي. وقد تكتسب الحملة بعداً إضافياً من صراع قد يراه نتنياهو وجودياً بالنسبة إليه، إذ يسعى إلى تفادي محاكمات الفساد التي تبدو حتمية إذا خسر السلطة.

ويجب أن تُجرى الانتخابات قبل الـ27 من أكتوبر (تشرين الأول)، لكنها قد تُجرى قبل ذلك. ومهما يكن توقيتها، فقد حدث كثير منذ الانتخابات الأخيرة عام 2022، ليس في المنطقة المباشرة فحسب، بل أيضاً في علاقات إسرائيل بالعالم الأوسع. وربما يكون من الإنصاف القول إن مكانة إسرائيل الدولية انهارت، ولم تعد تحظى بالصورة التي تمتعت بها سابقاً كديمقراطية وحيدة شجاعة محاصرة بجيران حاقدين.

في الماضي، اجتمعت عناصر عدة منحت إسرائيل قدراً من الاحترام على الساحة الدولية، من تاريخ تأسيس الدولة ونشأتها في أعقاب المحرقة النازية، إلى ما عُرف عنها من تماسك اجتماعي، وكفاءة مؤسستها العسكرية، وروح الابتكار لدى رواد أعمالها، وصولاً إلى القيم التي جسدتها المستوطنات التعاونية (الكيبوتزات)، التي كانت وجهات مفضلة لشبان كثر، حتى من خارج الأوساط اليهودية، لقضاء عام من السفر والعمل التطوعي بين مرحلتين دراسيتين. غير أن جزءاً كبيراً من هذا الرصيد تبدد مع مرور الوقت، سواء بسبب رفضها حل الدولتين الذي أقرته الأمم المتحدة، أو، في الآونة الأخيرة، نتيجة الدمار الوحشي الذي ألحقته بقطاع غزة.

حتى أكثر مؤيديها رسوخاً بدأوا يفقدون الثقة بها، إذ أظهر استطلاع حديث أجراه “مركز بيو للأبحاث” أن 60 في المئة من البالغين في الولايات المتحدة ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، في مقابل أقل من 40 في المئة لديهم نظرة إيجابية إليها، وهو تراجع بمقدار 20 نقطة مئوية منذ عام 2022. وترتفع نسبة أصحاب النظرة السلبية بين من هم دون سن الـ50 إلى 70 في المئة.

وفي حين أن تبادل العبارات الحادة خلال المكالمة الهاتفية الأخيرة بين ترمب ونتنياهو لا يعني أن العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تقترب من نهايتها، فإن تلك النهاية قد تلوح في الأفق مع تولي قيادات جديدة السلطة في كلتا العاصمتين. واتهام إسرائيل بأنها “دولة تابعة” قد يفقد هو الآخر جزءاً من تأثيره، ليس لأن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى قوة عظمى توفر لها الحماية، بل لأن الولايات المتحدة نفسها فقدت الاهتمام بالاضطلاع بهذا الدور.

© The Independent

التعليقات معطلة.