مقالات

“تطهير الفساد” في المملكة العربية السعودية

سايمون هندرسون

في 4 تشرين الثاني/نوفمبر ، تناقلت الأخبار من المملكة العربية السعودية عن إجراء عمليات اعتقال غير مسبوقة لأحد عشر أميراً وعشرات من الوزراء السابقين وأرباب الأعمال بتهم الفساد. وتصدّر القائمة رجل الأعمال الدولي الملياردير الأمير الوليد بن طلال، المتهم بتهم غير محددة لغسل الأموال، إلّا أنّ أهم تغيير سياسي هو اعتقال الأمير متعب بن عبد الله نجل الملك الراحل ورئيس “الحرس الوطني” السعودي. وكلاهما من أبناء أخ الملك سلمان وابناء عم أكبر سناً من ولي العهد محمد بن سلمان البالغ من العمر 32 عاماً.

وكان من المتوقع على نطاق واسع إنهاء دور الأمير متعب – فقد حاول الملك عبد الله ذات مرة تعيينه في منصب يسهّل عليه تولي العرش في المستقبل، ويُعتبر “الحرس الوطني” قوّة عسكرية مهمة ومركز جيّد لمنع وقوع انقلابات أو تدبيرها، لذلك غالباً ما كان يُنظر إليه بأنه يشكل تهديداً محتملاً لارتقاء محمد بن سلمان [لمناصب مختلفة]. وكان من الصعب توقّع موعد قيام ولي العهد باستخدام سلطة والده ومتى سيحدث ذلك لتهميش ابن عمه، إلّا أنّ قسوة هذه الخطوة نموذجية لأسلوبه.

ولم يتم إصدار تفاصيل كاملة عن الاعتقالات، ولكن هناك أفراد بارزين آخرين من العائلة المالكة محتجزين في “فندق الريتز كارلتون” الفاخر، الذي تم حجزه من قبل الحكومة السعودية، ومن بينهم على ما يبدو:

• الأمير تركي بن ​​عبد الله، الشقيق الأصغر لمتعب، وحاكم الرياض السابق، وطيار سابق في سلاح الجو.

• الأمير تركي بن ​​ناصر، الرئيس السابق لـ “الهيئة العامة للأرصاد الجوية وحماية البيئة”.

• الأمير فهد بن عبد الله بن محمد، نائب وزير الدفاع السابق.

أما أولئك من غير أبناء العائلة المالكة فيضمون:

• خالد التويجري، رئيس الديوان الملكي السابق أثناء فترة حكم الملك عبد الله ومن أقرب المقربين له خلال الأشهر الأخيرة من حياته.

• عادل فقیّة، وزیر الاقتصاد والتخطیط، المرتبط ارتباطاً وثیقاً بالإصلاحات الاقتصادیة التي يقوم بها محمد بن سلمان.

• إبراهيم العساف، وزير المالية السابق الذي قدم الاستشارة للملك سلمان خلال الاجتماع الذي عُقد الشهر الماضي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

• وليد البراهيم، رجل الأعمال الثري، المرتبط بروابط نسب مع الملك الراحل فهد.

أعمال الفساد

يشكّل تعريف الفساد في المملكة العربية السعودية تحدّياً لأن أفراد العائلة المالكة استخدموا قوى مراكزهم لتسهيل الأعمال التجارية لعقود من الزمن. وتحتاج الشركات الأجنبية إلى شريك سعودي للعمل في المملكة، وغالباً ما تكون الشراكة التي تتمتع باتصالات مع أعضاء من العائلة المالكة أكثر فائدة من تلك التي ليس لديها مثل هذه العلاقات، حتى عندما يستأثر أعضاء العائلة المالكة نسبة في شتى الأنحاء.

وفي الواقع، أن التحدي الذي تواجهه العديد من الشركات الأجنبية يتمثل في ضمان دفع مبالغ إضافية من العقود إلى كبار الأمراء وصولاً إلى مسؤولين في المستويات الدنيا للحفاظ على علاقات العمل بسلاسة. ومن الناحية الفنية، يمكن للقوانين الأجنبية أن تعرقل هذه الممارسة، ولكن هناك طرق لتفاديها. وكما هو الحال، يدفع الجانب السعودي ما يمكن أن يُطلق عليها بـ “الرشاوى”. إن حجم هذه المدفوعات ليس حاسماً في منح عقد رسمي – فبعد الحصول على الصفقة، يتم ضمان المبلغ المخصص لتسهيل المدفوعات في المبلغ النهائي الذي تدفعه الحكومة السعودية. وإذا كانت هذه المدفوعات مقيّدة بالعقد الرئيسي، فإنها يمكن أن تأتي من خلال اتفاقات الخدمات ذات الصلة. وقد أشارت برقية كشفتها وزارة الخارجية الأمريكية عن أفراد العائلة المالكة في الجيش السعودي، أن الأمراء غالباً ما رفضوا الترقية من أجل الحفاظ على قيادتهم للقواعد التي يمكنهم الحصول فيها على أموال إضافية.

بالإضافة إلى ذلك، يتم توجيه جزء من جميع عائدات النفط السعودي إلى الآلاف من أفراد العائلة المالكة. وتسفر الصيغ المعقدة القائمة على درجة القرب من الفئة الحاكمة وأعداد الذرية، عن رواتب شهرية سخية. وفي الوقت نفسه، فإن الهفوات المالية التي لا يمكن التغاضي عنها من قبل المواطنين العاديين (مثل فواتير المرافق المتأخرة) نادراً ما تكون لها عواقب وخيمة على أفراد العائلة المالكة.

توضيح أوجه عدم التيقن

من المرجح أن تتبع التطورات التي شهدتها عطلة نهاية الأسبوع في الرياض إجراء تغييرات إدارية إضافية، وربما حلول محمد بن سلمان محل والده البالغ من العمر ثمانين عاماً في منصب رئيس الوزراء أو حتى في منصب العاهل السعودي. ومهما يكن الأمر، فلا بد أن تقدّم الحكومة تفسير رسمي مفصّل لما يحدث. ويبدو أن صلاحيات “اللجنة العليا الجديدة لمكافحة الفساد”، التي يرأسها محمد بن سلمان وتضم النائب العام ورئيس جهاز أمن الدولة، من بين أمور أخرى، واسعة جداً، لذلك يحتاج مجتمع الأعمال الدولي إلى معرفة إجراءات التعامل مع أولئك المحتجزين. فهل سيتم تجميد أصولهم أو وضعها تحت سيطرة السلطات السعودية؟ فالأمير الوليد بن طلال هو من كبار حاملي الأسهم في “سيتيكورب” [عملاق البنوك الأمريكي]، فمَنْ الذي سيسيطر على مصالحه الآن؟ هل ستُجرى محاكمات للمتهمين؟ وما هو نطاق العقوبات؟ وكان الملك سلمان قد أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأمريكي ترامب في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر بشأن إطلاق صاروخ من اليمن [نحو السعودية] في نهاية الأسبوع الذي سبق وقضايا أخرى، الّا أنّه لم يتضح بعد ما اذا كانا قد بحثا إجراءات مكافحة الفساد.

لقد أصدرت الرياض عدد كبير من الخطابات حول خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار الأجنبي الجديد وفقاً للخطة الاقتصادية لمحمد بن سلمان المعروفة بـ «الرؤية 2030»، إلّا أنّ عمليات التطهير التي جرت في عطلة نهاية الأسبوع قد تضعف حماس المستثمرين، على الأقل إلى أن يتم حل قضايا مكافحة الفساد. ومن المرجح أن يتردد أصحاب الأعمال الأجانب الذين لهم اتصالات تجارية مع المعتقلين، في زيارة المملكة في أي وقت قريب – ومن المفارقات أن “فندق ريتز كارلتون” الذي يُحتجز فيه المعتقلون قد استضاف مؤتمراً استثمارياً كبيراً في الشهر الماضي.

ويمكن لهذه الخطوة المفاجئة وغير المتوقعة أن تلقي بظلالها على الخطة لطرح أسهم للاكتتاب العام الأولي بنسبة 5٪ من أسهم شركة “أرامكو” السعودية المملوكة بالكامل للحكومة السعودية. ولا تزال بورصة نيويورك موقعاً واضحاً لهذه الخطوة، ولكن عدم القدرة على التنبؤ بشكل واضح بخطوات محمد بن سلمان قد يؤدي إلى ردع المستثمرين.

وأخيراً، تًعتبر الاعتقالات دليلاً آخر على أن وتيرة التغيير المخطط في المملكة أمر غير عادي. فالمشاريع الاستثمارية الجديدة، والتي تشمل خطة بقيمة 500 مليار دولار لبناء مدينة ضخمة تسمى “نيوم” في الشمال الغربي من المملكة، تتصور بلاد تتمتع بتقنية متقدمة في طليعة التكنولوجيا الروبوتية. وفيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية، أعلن محمد بن سلمان عن خطط لـ السماح للنساء بقيادة السيارة ابتداء من العام المقبل. وعلى الرغم من أن إطلاق حملة لمكافحة الفساد قد تساعده على التغلب على بعض خصومه والاستمرار في تنفيذ مثل هذه الخطط كما يراه مناسباً، لا بد من أن يستمر في تحقيق نتائج من أجل أن يظهر للأمة أن أسلوبه وقيادته هو أفضل وسيلة للمضي قدماً.