تمرّد شيعي على “الإطار”: كتلة جديدة تتهيأ لفرض رئيس وزراء

2



فشل «صلح الفياض».. والمدد الدستورية بلا أسنان

بغداد/ تميم الحسن

في تطور لافت، يُرجَّح أن تفقد «الكتلة الأكبر» – التي أُعلنت قبل 6 أشهر – امتيازها لصالح كتلة أقل عدداً تحمل الاسم ذاته، بعدما كان يُفترض أن يضمن هذا الامتياز تمرير مرشح جديد لرئاسة الوزراء كحل للأزمة.
وبدأت هذه الصيغة تتداول في الساعات الأولى من خرق المهلة الدستورية الخاصة باختيار رئيس الحكومة، بوصفها ردّاً سياسياً على ما يُوصف بـ«تعنّت فريق نوري المالكي».
وتدريجياً، يبدو أن التحالف الشيعي أخذ يفقد تماسكه لصالح منطق «الأغلبية»، مع تحوّل جزء منه إلى ما يُعرف بـ«الثلث المعطِّل»، في محاولة لمنع تمرير محمد شياع السوداني لولاية ثانية.
وكان التحالف الشيعي قد أخفق طوال الأسبوعين الماضيين – وهي المهلة الدستورية الفاصلة بين انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف مرشح الكتلة الأكبر – في حسم اسم مرشح رئاسة الحكومة، ما دفع المشهد إلى مزيد من التعقيد والانقسام.
“صلح يفشل وشروطٌ تُعقِّد الأزمة”
في أحدث محاولات كسر الجمود، كشفت مصادر خاصة لـ(المدى) أن مسؤولاً رفيعاً سعى إلى عقد «صلح» بين محمد شياع السوداني ونوري المالكي، غير أن المسعى انتهى إلى الفشل بفعل ما وصفته المصادر بـ«شدّة عناد الطرفين».
ووفقاً للمصادر، استضاف فالح الفياض، وهو أحد حلفاء السوداني ورئيس الحشد الشعبي، لقاءً مساء الأحد – بعد ساعات من خرق المهلة الدستورية – جمع الرجلين في محاولة أخيرة لإنهاء الأزمة. إلا أن الاجتماع لم يُفضِ إلى أي اختراق، إذ تمسّك الطرفان بترشحهما، فيما وضع المالكي شرطاً واضحاً في حال انسحابه، يقضي بـ«منع أي رئيس وزراء سابق من تولّي المنصب».
في المقابل، تشير المعطيات إلى أن السوداني رفض مبدأ التنازل تحت أي ظرف، ما يطيح عملياً بالروايات التي تحدثت عن إمكانية طرح إحسان العوادي، مدير مكتبه، بديلاً عنه.
وكان «الإطار التنسيقي» قد حاول الاجتماع سبع مرات منذ بدء مهلة الأسبوعين الدستورية لاختيار رئيس الحكومة، لكنه أخفق في كل مرة، لتتحول الاجتماعات تدريجياً إلى لقاءات جانبية محدودة.
وفي جلسة السبت الأخيرة التي لم تُعقد – التي كانت تُوصف بـ«الحاسمة» – لجأ الإطار لأول مرة إلى صيغة «الاجتماعات الرباعية»، التي ضمّت السوداني إلى جانب عمار الحكيم وقيس الخزعلي وهادي العامري. غير أن هذه الصيغة لم تصمد طويلاً، إذ تقلّصت في اليوم التالي إلى اجتماعات ثلاثية، كما حدث في منزل الفياض.
وتعود جذور التعقيد الحالي إلى مطلع 2026، حين قدّم السوداني تنازلاً مفاجئاً لصالح المالكي، ليتبنَّ «الإطار التنسيقي» الأخير مرشحاً رسمياً. غير أن هذه الخطوة حملت مجازفة سياسية، إذ جاءت خلافاً لما وُصف بـ«فيتو» دونالد ترامب، الذي اعتبر اختيار المالكي «خياراً سيئاً». وقد راهن المالكي حينها على إمكانية تغيير هذا الموقف، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
ومنذ ذلك القرار، شهد «الإطار التنسيقي» تحولات جوهرية غير مسبوقة في التحالفات الشيعية منذ 2003، أبرزها الانتقال من مبدأ «الإجماع» في تمرير القرارات، إلى «الأغلبية»، التي استقرت لاحقاً عند 8 من أصل 12 زعيماً. وفي هذا السياق، جرى تمرير ترشيح المالكي بأغلبية 10 مقابل اعتراض 2.
لكن مع تصاعد الأزمة وتمسّك فريق المالكي بموقفه، انقلبت المعادلة، إذ بات الأخير يُمثّل فعلياً «الثلث المعطِّل» داخل التحالف، قادراً على منع أي مرشح آخر من بلوغ عتبة الـ8 أصوات المطلوبة، ما أدخل العملية السياسية في حلقة انسداد أكثر تعقيداً.
انعطافة «الكتلة الأكبر»: محاولة التفاف على الانسداد
وفي تطور مفاجئ لمسار الأزمة، يُرجَّح أن تتجه مجموعة شيعية إلى «الاستدارة» خلف الصراعات الجارية داخل «الإطار التنسيقي»، عبر طرح نفسها بوصفها «الكتلة الأكبر» البديلة، بما يخولها دستورياً تقديم مرشح جديد إلى رئيس الجمهورية.
وتتحدث معطيات متداولة عن تحرك يقوده ما لا يقل عن 120 نائباً داخل البرلمان، في محاولة لإحداث ما يشبه «الانقلاب السياسي» على الكتلة السابقة – التي أُعلنت في تشرين الثاني 2025 وكانت بنحو “180 نائباً” – مع ترجيحات بأن يُعاد طرح محمد شياع السوداني مرشحاً لهذا التشكيل الجديد، رغم عدم إعلان فريقه ذلك بشكل صريح حتى الآن.
في هذا السياق، يقول خالد وليد، القيادي في ائتلاف «الإعمار والتنمية» الذي يتزعمه السوداني لـ(المدى)، إن «لا بديل عن إعادة تشكيل الكتلة الأكبر وفق خيار الأغلبية التي أفرزتها نتائج الانتخابات داخل الإطار»، معتبراً أن تجاوز المدد الدستورية يفرض العودة إلى «لغة الأرقام» لحسم ملف تشكيل الحكومة وإنهاء حالة الاستعصاء.
ويرى وليد أن خيار إعادة الانتخابات «غير سليم»، مشدداً على أن الحل يكمن في «احترام إرادة الناخبين» لضمان صلاحيات الحكومة المقبلة وتجاوز المرحلة الراهنة.
وبحسب المادة (76) من الدستور، يُمنح رئيس الجمهورية مهلة 15 يوماً لتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، وهي مهلة انتهت مساء السبت الماضي، فيما تشير تفسيرات أخرى إلى إمكانية احتساب العطل الرسمية، ما يفتح الباب أمام تمديد غير مباشر حتى نهاية الأسبوع.
في السياق ذاته، صعّد قصي محبوبة، المقرب من محمد شياع السوداني، من لهجته، مؤكداً أن الفريق المعارض «متحجّر»، وطرح «مرشحين مجهولين».
وأضاف في تصريحات وردت إلى (المدى): «قدّمنا الحلول والمبادرات فقابلتموها بالتحجّر والحسابات الضيقة»، مشدداً على أن مشروعهم «واضح ومرشحنا ناجح وهدفنا العراق أولاً».
وفي تصعيد مباشر، خاطب خصومه بالقول: «مشروعكم مبهم، ومرشحكم مجهول، وغايتكم مصالح ضيقة لا تشبه طموح الشعب»، مؤكداً أن «الشعب والتاريخ سيحاسبان الجميع».
وكانت الأزمة قد اشتدّت خلال الأسبوع الأخير داخل «الإطار التنسيقي»، مع تمسّك «12 رأياً» بعدد زعماء التحالف، سواء بشأن المرشح أو آليات اختيار رئيس الوزراء.
وخلال الاجتماعات السبعة الأخيرة التي دعا إليها «الإطار» — وبعضها لم يُعقد أساساً — وانتهى آخرها مساء السبت الماضي بالفشل، تصف مصادر تلك اللقاءات بأنها لم تتجاوز كونها «جلسات سوالف وعتاب، وأحياناً صراخ وشجار، من دون أي نتائج».
“أولوية الحسم لا التوقيت”
وفي قراءة قانونية وسياسية للأزمة، يرى وائل الركابي، الباحث في الشأن السياسي، أن أحد أسباب عدم الالتزام بالمدد الدستورية يعود إلى «غياب الأثر أو الجزاء القانوني» الذي يُلزم الكتل بتحمّل مسؤولية خرق هذه المهل. ويشير إلى أن هذا الأمر تكرّر سابقاً في ملف انتخاب رئيس الجمهورية، حيث جرى تجاوز التوقيتات الدستورية من دون أي تبعات قانونية تُذكر.
ويضيف الركابي في حديثه لـ(المدى) أن ما يجري اليوم يُعدّ خرقاً دستورياً جديداً، لكنه – من حيث التوقيت – لا يزال محدوداً إذا ما قورن بالتأخير الذي رافق انتخاب رئيس الجمهورية، والذي تعطّل لنحو أربعة أشهر، رغم أن الدستور ينص على إنجازه في الجلسة الأولى للبرلمان.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن القوى السياسية «لم تعد تكترث بالتوقيتات الدستورية»، في ظل عجز الضغوط الإقليمية والدولية – سواء الإيرانية أو الأميركية – عن كسر حالة الانسداد الراهنة.
وتأكيداً لذلك، قال همام حمودي، زعيم المجلس الأعلى في وقت سابق، إن التأخير في تسمية رئيس الوزراء «ليس مثلبة عراقية أو معركة أشخاص»، بل هو «ظاهرة في الأنظمة البرلمانية»، في محاولة لتخفيف وطأة الأزمة.
ومع استمرار الجمود، تبرز سيناريوهات متعددة، من بينها الإبقاء على الحكومة الحالية لمدة عام إضافي، يعقبه الذهاب إلى انتخابات مبكرة. وقد طُرح هذا الخيار للمرة الأولى مطلع 2026، عقب اعتراض دونالد ترامب على ترشيح نوري المالكي، بالتوازي مع مقترحات لتوسيع صلاحيات حكومة تصريف الأعمال مؤقتاً.
ويخضع حلّ البرلمان في العراق للمادة (64) من الدستور، التي تنص على إمكانية الحل بطلب من رئيس الوزراء وموافقة رئيس البرلمان، أو بطلب من ثلث الأعضاء وتصويت الأغلبية.
ويشدد الركابي على أن مسألة اختيار رئيس الوزراء باتت «ضرورة ملحّة» في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية المعقدة، وما تشهده المنطقة من توترات متصاعدة، مؤكداً أن حكومة تصريف الأعمال «غير قادرة على إدارة البلد بكفاءة».
ويضيف أن الأولوية يجب أن تكون لتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات، حتى لو جاء ذلك «بعيداً عن الالتزام الحرفي بالمدد الدستورية أو تجاوزها بيوم أو يومين»، معتبراً أن حاجة الدولة والمواطنين إلى حكومة فاعلة تتقدم على الجدل الشكلي بشأن التوقيتات.
ومع ذلك، يقرّ الركابي بأن الأزمة لا تزال تراوح مكانها في ظل غياب التوافق على اسم رئيس الوزراء، محذراً من أن تعدد الأسماء والذهاب إلى خيارات متفرقة «سيزيد الطين بلّة». ويرى أن استعادة «الإطار التنسيقي» لثقله السياسي تتطلب العودة إلى مرشحه الرسمي الأول في إشارة إلى المالكي – وتوحيد الموقف حوله، بدلاً من تشتيت القرار بين ترشيحات متعددة.

التعليقات معطلة.