بصفتي وزيرَ خارجية اليابان تسعدُني وتسرُّني زيارةُ المملكة العربية السعودية مرّة أخرى؛ إذ يشهد البلدُ تطوراً لافتاً ومذهلاً على كافة المستويات.
لقد نجحتِ اليابانُ والمملكةُ العربية السعودية، على مدى سنوات طويلة، في بناء وتطوير روابط الصداقةِ الوثيقة التي تجمعهما، بصرف النظر عن الظروف التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط. وتعدّ السعودية إحدى أهمّ وأكبر الدول المورّدة للنفط الخام إلى اليابان، ولا يزال يمثل قطاع الطاقة ركيزة للعلاقات الثنائية بين البلديْن. إلى جانب ذلك، أخذ نطاق التعاون بين اليابان والسعودية يتّسع ليشمل مجموعة واسعة من المجالات، بناءً على «الرؤية السعودية – اليابانية 2030»، من بينها مجالات الصناعات التحويلية والقطاع المالي والذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية والفضاء والخدمات اللوجستية والتعليم والترفيه، فضلاً عن طاقة المستقبل، بما في ذلك الهيدروجين والأمونيا.
من ناحية أخرى، يمثّل تبادل العديد من الزيارات الرفيعة المستوى بين البلدين رمزاً للعلاقات الوثيقة بينهما. ففي العام الماضي الذي صادف الذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين اليابان والسعودية، استضافت اليابان معرض «إكسبو 2025 أوساكا–كانساي»، كما شهدت أيضاً زيارات عدد كبير من الوزراء السعوديين، وفي مقدّمتهم وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، مما فتح آفاقاً جديدة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. ومن المقرر كذلك أنْ يبدأ تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين الرياض وطوكيو في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وإنني أتطلّع إلى أنْ يسهم ذلك في توسيع وتعميق التعاون بين البلديْن على مختلف المستويات.
وبالنظر إلى الأوضاع الراهنة في الشرق الأوسط، فقد شهدت التطورات الأخيرة المرتبطة بإيران وقوع هجمات طالت دولاً في المنطقة ليست أطرافاً في الصراع، ما أسفر عن خسائر بشرية ومادّية في عدد من الدول، ومن بينها المملكة العربية السعودية. وإنّنا نعرب عن تعاطفنا مع تلك الدول، كما نتقدم بخالص المواساة إلى جميع المتضررين.
إنّ استقرار منطقة الشرق الأوسط لا يمثّل أهمية للمنطقة وحدها فحسب، بل يشكّل عنصراً أساسياً لاستقرار العالم وازدهاره، والآن أصبح من أكثر القضايا إلحاحاً أمام المجتمع الدولي بأسره. وعلى وجه الخصوص، يمثل مضيق هرمز ممراً بالغ الأهمية لإمدادات الطاقة؛ إذ يمر عبره نحو 30 في المائة من صادرات النفط العالمية. كما يؤثر الوضع الراهن، الذي تتعرض فيه الملاحة الحرّة والآمنة في هذا المضيق للتهديد، على الدول الآسيوية بما فيها اليابان، التي تعد من كبار مستهلكي تلك الصادرات.
وفي ظل هذه الظروف الصعبة، تضطلع السعودية بدور مهم وفعّال في جهود الوساطة الرامية إلى التوصل إلى حلّ دبلوماسي للأزمة. واليابان تؤيد هذه الجهود التي تبذلها المملكة. وفي الوقت نفسه، وحتى في ظلّ استمرار التوتّرات في الشرق الأوسط، تواصل السعودية بذل جهود حثيثة للحفاظ على إمدادات النفط الخام إلى اليابان وإلى الأسواق العالمية، من خلال تشغيل خطّ أنابيب النفط «شرق-غرب»، وكذلك شحن النفط من الموانئ الواقعة على ساحل البحر الأحمر. وإننا نعرب عن خالص احترامنا وتقديرنا لهذه الجهود الجادّة والمسؤولة التي تبذلها المملكة.
وتتعرض الملاحة الحرّة والآمنة إلى التهديد في البحر الأحمر أيضاً، بسبب هجمات جماعة الحوثي في اليمن. وتدين اليابان بشدّة الهجمات التي تشنّها جماعة الحوثي على السعودية وغيرها من الدول، وتدعو الحوثيين إلى الامتناع عن أيّ خطوات من شأنها تصعيد الأوضاع في المنطقة. وتعتزم اليابان مواصلة تكثيف الجهود الدبلوماسية، بالتنسيق والتعاون مع دول المنطقة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، من أجل خفض التصعيد الإقليمي في المنطقة، واستعادة الملاحة الحرة والآمنة في مضيقَي هرمز وباب المندب في أسرع وقت ممكن.
وفي ضوء التطورات الأخيرة المرتبطة بإيران، بدأت دول الخليج العربية، خصوصاً السعودية، تتحرّك بصورة عاجلة لتعزيز صمود ومرونة البنى التحتية الاجتماعية والاقتصادية، بما فيها وسائل نقل النفط الخام باعتبار ذلك أولوية ملحّة. وتعتزم اليابان أنْ تسهم بشكل جدّي في تلك الجهود الخليجية لتعزيز الصمود والمرونة من خلال زيادة تنشيط التعاون الاقتصادي والتجاري مع دول الخليج العربية. فعلى سبيل المثال، أطلقت اليابان في شهر أبريل (نيسان) الماضي مبادرة «باور آسيا» (POWERR Asia) لتعزيز صمود ومرونة إمدادات الطاقة والموارد في منطقة آسيا بأكملها. ومن شأن هذه المبادرة أيضاً أنْ تسهم في توسيع مراكز الإمداد ومنشآت تخزين الاحتياطي في الخارج للدول الخليجية المنتجة للنفط في منطقة آسيا. ومن خلال مثل هذه الأطر، نرغب في زيادة ترسيخ الروابط بين الدول الخليجية المنتجة للطاقة والدول الآسيوية المستهلكة لها.
وقد تسلّمت المملكة العربية السعودية من اليابان راية استضافة «إكسبو»، عقب معرض «إكسبو أوساكا-كانساي»، وتستعدّ المملكة الآن لاستضافة «إكسبو الرياض 2030». وإنني على يقين من أنّ «إكسبو الرياض» سيشكل منصّة مهمّة ليس فقط لعرض ما حقّقته المملكة في إطار «رؤية السعودية 2030» أمام العالم، بل أيضاً لإبراز مكانة السعودية ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها بعد تجاوزها الأزمة الراهنة.
هناك مثل عربي يقول: «من طلب العلا سهر الليالي»، وفي اليابان أيضاً هناك مثل يقول: «رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة». وانطلاقاً من هذيْن المَثليْن، ستواصل اليابان تطوير علاقات التعاون مع المملكة العربية السعودية جنباً إلى جنب على مستويات عدة، وفق رؤية مستقبلية مشتركة لتحقيق تعاون مستدام يمتد إلى ثمانين عاماً، ثمّ تسعين عاماً، ثمّ مائة عام وأكثر، من أجل بناء مستقبل مزدهر معاً. وأرغب في أنْ تكون زيارتي الحالية إلى المملكة فرصةً جديدة للارتقاء بالشراكة الاستراتيجية بين البلديْن إلى آفاق أرحب، وتعزيزها وترسيخها على نحو أكبر.
* وزير الخارجية الياباني

