رصاصة في جدار التهدئة.. كيف انتهت ليلة الفصائل بنقل اليعقوبي إلى الحشد؟

2

 

اعتقال رجل النجباء يضع الزيدي في مواجهة “العين بالعين”

لم تكن ليلة الاثنين على الثلاثاء الأخيرة عادية في بغداد. كان هناك قيادي في “حركة النجباء” اختفى بعد اعتقاله في جنوب ذي قار، ومكالمات تتحدث عن أن “بغداد ستحترق” إذا لم يعرف مكانه.
لحقه اجتماع ساخن لـ”الإطار التنسيقي” في منزل عمار الحكيم، وروايات تسربت عن استعداد الفصائل للعودة إلى سيناريو جربته سابقاً: حصار المنطقة الخضراء، وربما قصفها.
وبعد ساعات قليلة، ظهر المعتقل في مكان آخر. لم يفرج عنه، لكنه نقل إلى هيئة الحشد الشعبي.
كانت تلك التسوية الصغيرة كافية، على ما يبدو، لتأجيل ليلة أكبر.
لكن ما جرى كشف شيئاً آخر، بأن ملف نزع السلاح الذي كانت بغداد تتحدث عن حسمه قبل 30 أيلول دخل مرحلة أكثر تعقيداً، وأن رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي لا يملك كتلة برلمانية تجعله الطرف الأقوى، قد يجد نفسه أمام اختبار غير مسبوق.
“بغداد ستحترق”
بحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى (المدى)، وصلت مكالمات إلى قيادات شيعية حملت رسالة شديدة الوضوح: “بغداد ستحترق” إذا لم يعرف مكان عباس حسين مطر، المعروف باسم عباس اليعقوبي، مدير استخبارات “حركة النجباء”، الذي اعتقل من منطقة الفضيلية جنوبي الناصرية.
كان اليعقوبي قد نقل، في البداية، إلى مكان مجهول في بغداد من قبل قوات مكافحة الإرهاب.
وفي منزل عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة، كان “الإطار التنسيقي” يعقد اجتماعاً بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي.
وتقول المصادر إن الجلسة كانت ساخنة. وفي أثناء الاجتماع تدخل قيادي شيعي لحل الأزمة، لكن الروايات تتضارب بشأن هويته. فبعضها يتحدث عن هادي العامري، وأخرى عن قيس الخزعلي، فيما تشير روايات ثالثة إلى شخصية شيعية أخرى.
النتيجة كانت الاتفاق على نقل اليعقوبي إلى هيئة الحشد الشعبي.
وفي مساء الثلاثاء، وبعد ساعات قليلة من الاعتقال، أعلن مهند العقابي، المتحدث باسم الحشد، أن المعتقل سلّم إلى أمن الحشد لاستكمال الإجراءات القانونية.
لكن قبل الوصول إلى هذه النهاية، كانت الفصائل، بحسب المصادر، تفكر في رد مختلف.
سيناريو الخضراء يعود
تقول المصادر إن الفصائل كانت تنوي مهاجمة المنطقة الخضراء رداً على اعتقال اليعقوبي.
وفي الوقت نفسه، كانت مجموعة من أفراد عشيرته قد نظمت تظاهرات بعد اعتقاله من منزله في منطقة الفضيلية.
وبدأت أطراف داخل الفصائل الضغط على زعماء الجماعات المسلحة، وبعضهم جزء من “الإطار التنسيقي”، من أجل تحريك دعوى ضد جهاز مكافحة الإرهاب الذي نفذ عملية الاعتقال في ذي قار، قبل نقل اليعقوبي إلى بغداد.
ويرجح أن المعتقل كان مسؤولاً عن الاشتباكات التي وقعت الأسبوع الماضي بين جهاز مكافحة الإرهاب ومسلحي “النجباء”، أثناء محاولة اقتحام جرف النداف شرقي بغداد، وهي منطقة تعد معقلاً للحركة.
اعتقال رجل استخبارات في فصيل مسلح لم يقرأ باعتباره مجرد إجراء أمني، فبالنسبة إلى الفصائل، بدا الأمر رسالة.
وبالنسبة إلى الحكومة، كان اختباراً لما يمكن أن يحدث عندما تنتقل المواجهة مع السلاح من البيانات إلى الاعتقالات.
“العنترية الفارغة”
رد “كتائب حزب الله” لم يتأخر. الفصيل هدد باستهداف رئيس الحكومة علي الزيدي، ووصف ما يقوم به بأنه “عنترية فارغة” و”مستفزة”.
وقال المسؤول الأمني والمتحدث باسم الفصيل أبو مجاهد العساف، في منشور، إن صبر المجموعة على الزيدي “بدأ ينفد”، ملوحاً بالعمل وفق مبدأ “العين بالعين والبادي أظلم”.
واتهم العساف الزيدي بالاستماع إلى “أعداء الشيعة”، في إشارة إلى توم باراك، المبعوث الأميركي، الذي وصفه المنشور بـ”النشال”.
وقال إن “الكتائب” صبرت على ما وصفه بـ”عنترية الزيدي الفارغة” طوال مائة يوم، في إشارة إلى عمر الحكومة، كما تحدث عن “استفزاز” و”ترويع” الأهالي في المنازل، في إشارة بدت مرتبطة باعتقال اليعقوبي.
ولم يقتصر الأمر على الاعتقال. فعند الحديث عن نزع السلاح، جدد الفصيل رفضه تفكيك ترسانته، وأضاف شروطاً جديدة إلى جانب انسحاب القوات الأميركية: انسحاب القوات التركية، وحل قوات البيشمركة.
زيدان في دائرة الخطر
وفي التوقيت نفسه، كشف حيدر العبودي، المتحدث باسم الحكومة، في مقابلة تلفزيونية، عن وجود محاولات لاغتيال فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء، الذي يعتقد أن له دوراً في عملية تفكيك سلاح الفصائل.
وتبدو التهديدات ضد زيدان جزءاً من صورة أوسع. صورة تشمل، بحسب ما تردد سابقاً في بغداد، خططاً لاستهداف رئيس الحكومة نفسه.
وكانت بغداد قد لوحت بهذه المعلومات من قبل، كما حذر مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، من مخاطر مشابهة، إلى جانب شخصيات أخرى.
والذاكرة العراقية ليست بعيدة عن هذا النوع من المشاهد. فالجماعات المسلحة سبق أن حاولت اغتيال رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، وحاصرت المنطقة الخضراء احتجاجاً على اعتقال القيادي في الحشد قاسم مصلح، كما احتجزت مسلحين من “كتائب حزب الله” في القضية التي عرفت لاحقاً بـ”خلية الدورة”، المتهمين بقصف السفارة الأميركية.
هل يكون الزيدي “المفاجأة”؟
جاء اعتقال اليعقوبي في توقيت حساس. ففي الوقت الذي تصف فيه تحليلات سياسية الزيدي بأنه قد يكون “مفاجأة”، رغم أنه ليس الطرف الأقوى في العراق ولا يمتلك مجموعة برلمانية خاصة به، بدا “الإطار التنسيقي” وكأنه يتراجع خطوة إلى الوراء في ملف نزع السلاح.
وأصبح الحديث عن تمديد مهلة 30 أيلول يترنح، وكأنه قد يتمدد.
وفي هذه الأثناء، تستقبل بغداد اليوم محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني، الذي يعتقد أنه يؤدي أدواراً أخرى قريبة من دوائر الحرس الثوري.
ويقول سياسي قريب من “الإطار التنسيقي” لـ(المدى)، طالباً عدم ذكر اسمه، إن “التحالف الشيعي يريد نزع السلاح كما جرى في تجارب سابقة، بشكل صوري، يجمع من بعض الأهالي والعشائر”.
وتحدثت مصادر لـ(المدى) عن استعداد الفصائل لتسليم أسلحة خفيفة، أغلبها “خردة”، فيما تبقى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة بعيدة عن أي عملية تسليم.
وكانت (المدى) قد كشفت عن وجود ستة أنواع من الأسلحة المهمة لدى الفصائل، موزعة على ما لا يقل عن 12 قاعدة وموقعاً عسكرياً، من البصرة إلى نينوى.
وفي محاولة لفك الاشتباك بين الحكومة والفصائل، طرحت أطراف شيعية، وربما بدعم إيراني، حلاً مختلفاً: “ليس نزع السلاح بل تخزينه”.
ويقوم المقترح على وضع السلاح في مواقع معروفة داخل هيئة الحشد الشعبي، بدلاً من تفكيكه أو تسليمه نهائياً.
وفي اجتماع “الإطار التنسيقي” الأخير في منزل الحكيم، تحدث البيان الختامي عن حصر السلاح بيد الدولة وإنجاز ذلك “عبر الحوار والتفاهم”.
لكن العبارة بدت متناقضة مع ما جرى في الساعات نفسها.
فبينما كانت البيانات تتحدث عن الحوار، كان اعتقال اليعقوبي يشعل واحدة من أخطر الأزمات بين الحكومة والفصائل.
اجتماع مشحون
كانت أجواء اجتماع “الإطار” متوترة، بحسب ما تسرب من معلومات.
سبب التوتر الأول كان التغييرات الكبيرة والسريعة التي أجراها الزيدي في المنظومة الأمنية، والتي يعتقد أنها ساعدته في تنفيذ عملية اعتقال اليعقوبي.
ويخشى “الإطار”، بحسب المعلومات، أن تدفع هذه التغييرات رئيس الحكومة إلى الذهاب بعيداً في مواجهة الفصائل.
أما السبب الثاني، فكان الهجمات التي استهدفت مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان.
فقد أعلن الزيدي، للمرة الثانية، فتح تحقيق في حوادث مشابهة وقعت في الإقليم باستخدام طائرات مسيّرة مفخخة.
وشدد توم باراك، مبعوث ترامب إلى بغداد، على دعم كامل للزيدي، في تدوينة نشرها على منصة “إكس” أدان فيها الهجوم على مكتب رئيس حكومة الإقليم، وقال إن واشنطن لن تتغاضى عن الهجمات التي تستهدف حلفاءها.
وكانت أصابع الاتهام قد اتجهت إلى إيران وأطراف عراقية مرتبطة بالحرس الثوري، فيما نفت طهران مسؤوليتها عن الهجوم.
“الميليشيات تريد التفاوض مع أميركا”!
النائب السابق مثال الآلوسي يرى أن الميليشيات في العراق تمتلك هدفاً واضحاً: “إفشال العملية السياسية والهيمنة على الدولة، ثم التفاوض مع أميركا على أمن واستقرار المنطقة”.
ويقول إن أمن العراق يهم الولايات المتحدة استراتيجياً.
ويعتقد الآلوسي، في حديث مع (المدى)، أن إيران “لن تساعد، بأي حال من الأحوال، الدولة العراقية على إنجاح عملية نزع السلاح لأنها تريد بقاء هذه الجماعات”.
ويضع أمام الزيدي ثلاثة مسارات.
الأول، الإسراع في استكمال حكومته، كي تحصل السلطة التنفيذية على شرعية كاملة وقدرة أكبر على إدارة المواجهة.
الثاني، إجراء تغيير سريع في وزارة الدفاع والداخلية والأجهزة الأمنية الأخرى، لكي تتطابق مع خطة حصر السلاح بيد الدولة.
“لأنه إذا لم تتطابق، سيكون من المضحك أن نجري ذلك”، يقول الآلوسي.
أما المسار الثالث، فهو بناء تحالف استراتيجي حقيقي بين بغداد وأربيل.
يرى الآلوسي أن على الزيدي أن يدرك أن العلاقة بين بغداد وأربيل يجب أن ترتقي إلى مستوى وضع أهداف استراتيجية، “وليس اندفاعات عاطفية أو مؤقتة”.
فدعم بغداد، بحسب رأيه، يمكن أن يأتي من أربيل.
“وبدون ذلك ستبقى الحكومة أضعف من إخافة الميليشيات وتحقيق أهداف استراتيجية”.

التعليقات معطلة.