زيارة قاآني عرّت الحقيقة: معركة سلاح الفصائل ليست عراقية فقط

5

 

 

زيارة إسماعيل قاآني إلى بغداد واجتماعه بقادة الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، في الوقت الذي تتحرك فيه الحكومة العراقية باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، ليست تفصيلاً عابراً يمكن فصله عن المشهد العراقي والإقليمي. التوقيت وحده يكشف الكثير، أما مضمون الزيارة فيكشف أكثر.

فحين يأتي قائد “فيلق القدس” الإيراني إلى بغداد في لحظة عراقية شديدة الحساسية، ويجتمع بقيادات تمتلك السلاح خارج القرار العسكري للدولة، فإن الرسالة لا تحتاج إلى كثير من التأويل: ملف سلاح الفصائل ليس شأناً عراقياً داخلياً كما يفترض أن يكون، بل ما زال جزءاً من حسابات إيران الإقليمية.

وهنا تكمن خطورة المسألة.

العراق لا يستطيع أن يبني دولة كاملة السيادة بنصف قرار. لا يمكن أن تكون الحكومة مسؤولة عن الأمن، بينما توجد جماعات مسلحة تستطيع امتلاك السلاح الثقيل، وإطلاق الصواريخ، وتهديد المصالح الأجنبية، واتخاذ مواقف عسكرية لا تمر حصراً عبر مؤسسات الدولة.

الدولة الحديثة لا تعرف هذا النوع من الازدواجية.

إما أن يكون السلاح عراقياً، وقراره عراقياً، ومرجعيته عراقية، أو أن الحديث عن السيادة يبقى ناقصاً.

لقد حاولت الفصائل المسلحة خلال السنوات الماضية تقديم نفسها باعتبارها جزءاً من المنظومة الوطنية، مستندة إلى مشاركتها في الحرب على تنظيم داعش وإلى تشريعات أُقرت بعد عام 2014. لكن الاعتراف بدورها في مواجهة الإرهاب لا يمنحها حق امتلاك قرار مستقل عن الدولة، ولا يحوّل السلاح إلى ملكية سياسية أو حزبية دائمة.

والأخطر أن بعض هذه الفصائل لم تعد تتصرف باعتبارها قوة عراقية محدودة الوظيفة، بل باعتبارها جزءاً من منظومة إقليمية أوسع.

وهنا تحديداً تصبح زيارة قاآني ذات دلالة استثنائية.

إذا كانت الحكومة العراقية تريد جمع السلاح وحصره بيد الدولة، فلماذا يحتاج قادة فصائل عراقية مسلحة إلى استقبال قائد عسكري وأمني إيراني للتشاور في هذه اللحظة بالذات؟

السؤال ليس موجهاً ضد إيران باعتبارها دولة جارة فحسب، بل ضد مبدأ أخطر، من يقرر مستقبل السلاح داخل العراق؟ بغداد أم طهران؟

هذه هي المسألة التي يجب أن تكون في قلب النقاش العراقي.

العراقيون لا يحتاجون إلى دليل جديد على أن الفصائل المسلحة تمثل إحدى أكثر عقد الدولة تعقيداً. فوجود قوة مسلحة خارج القرار الوطني يعني أن الدولة ليست صاحبة الاحتكار الكامل للقوة، وأن سيادتها تبقى قابلة للتفاوض والمساومة والضغط.

ولهذا فإن مشروع نزع السلاح لا ينبغي أن يتحول إلى صفقة سياسية مؤقتة، ولا إلى تفاهم بين قادة الأحزاب والفصائل، ولا إلى إعادة تسمية للسلاح تحت عناوين جديدة.

المطلوب هو إنهاء ظاهرة السلاح الموازي للدولة بالكامل.

ومن الخطأ أن يُفهم ذلك باعتباره حرباً على طائفة أو مكوّن. العراق ليس أمام معركة بين الشيعة وغير الشيعة، وإنما أمام معركة بين مفهومين للدولة: دولة تحتكر القوة وفق الدستور والقانون، ودولة تتعايش داخلها قوى مسلحة متعددة الولاءات والقرارات.

ومن يريد أن يكون جزءاً من الدولة، فالباب مفتوح أمامه. يستطيع أن يعود إلى العمل السياسي، وأن يشارك في الانتخابات، وأن يمارس دوره كمواطن أو حزب أو تنظيم سياسي، وأن يكون جزءاً من شعبه ودولته.

أما الجمع بين السياسة والسلاح والقدرة على فرض الأمر الواقع، فهذه ليست دولة.

وإذا كانت زيارة قاآني قد كشفت شيئاً، فهي كشفت أن معركة العراق المقبلة ليست معركة ضد أشخاص أو فصائل بعينها، وإنما معركة من أجل استعادة القرار الوطني من أي نفوذ خارجي، أياً كان مصدره.

إيران تستطيع أن تكون دولة جارة للعراق، وأن تربطها به علاقات سياسية واقتصادية وأمنية. لكنها لا تستطيع أن تكون طرفاً في تحديد من يحمل السلاح داخل العراق، ولا من يسلّمه، ولا من يحتفظ به.

وهنا يجب أن تكون بغداد واضحة.

لا دولة مع سلاحين، ولا سيادة مع قرارين، ولا وطن مستقل إذا كان جزء من قرار الحرب والسلم يُصنع خارج حدوده.

لقد آن الأوان لأن تتعامل الحكومة العراقية مع ملف السلاح باعتباره قضية سيادة وطنية لا ملفاً للتفاوض السياسي. فالسلاح الذي لا يخضع للدولة، مهما كان عنوانه أو مبرراته أو هوية حامليه، يبقى سلاحاً خارج احتكار الدولة للقوة.

وإذا كان العراق يريد فعلاً استعادة دولته، فإن الطريق يبدأ من قاعدة واحدة لا تحتمل التأويل:

كل السلاح للدولة، وكل القرار للدولة، ولا سلطة فوق سلطة الدولة العراقية.

هذه ليست معركة ضد إيران، ولا ضد طائفة، ولا ضد مكوّن.

إنها ببساطة معركة العراق مع الخارجون عن القانون، ومع الذين لايريدون ان يصبح العراق دولة.

التعليقات معطلة.