شراء البحوث الجامعية في العراق.. ظاهرة تتسع وتقلق الأوساط الأكاديمية

1



اتهامات بسرقات علمية ومكاتب تبيع الإنتاج الأكاديمي

بغداد / تبارك عبد المجيد

عاد ملف شراء وتزوير البحوث الجامعية إلى الواجهة في العراق، وسط جدل متجدد داخل الأوساط الأكاديمية بشأن مدى انتشار هذه الظاهرة وتأثيرها في مستوى التعليم العالي، في ظل مخاوف متزايدة من تراجع مصداقية الإنتاج العلمي داخل بعض المؤسسات التعليمية.
وتشير معطيات متداولة إلى وجود ممارسات غير قانونية، تشمل الاعتماد على بحوث جاهزة أو إعادة استخدامها بطرق مخالفة، إلى جانب نشاط مكاتب متخصصة تسهّل هذه العمليات. كما تناولت وسائل إعلام محلية خلال الأسبوع الماضي ما وُصف بـ”فضيحة علمية” في جامعة ذي قار، تتعلق بسرقة بحوث ونشرها بشكل مزدوج من قبل تدريسيين لأغراض الترقية العلمية، مع تشكيل لجنة تحقيق في القضية.
ترى التدريسية في جامعة ميسان، الدكتورة هيفاء الدهامات، أن شراء البحوث يمثل واحدة من أخطر الإشكاليات التي تواجه العملية التعليمية، لما له من انعكاسات سلبية على مستوى الطالب والمعرفة الأكاديمية. وتوضح في حديثها لـ”طريق الشعب”، أن الظاهرة باتت واضحة، إذ يلجأ بعض الطلبة إلى شراء بحوث جاهزة رغم توفر مصادر علمية مجانية وسهلة الوصول، خصوصاً في أقسام اللغة الإنكليزية التي تتيح ملايين المراجع بضغطة زر.
وتضيف أنها تمنح الطلبة أكثر من فرصة لإعادة كتابة بحوثهم بأنفسهم، بهدف تعزيز اعتمادهم على قدراتهم، إلا أن بعضهم يستمر في هذا السلوك دون مبرر واضح. وتشير إلى أن المشكلة لا تقتصر على الدراسة الأولية، بل تمتد إلى طلبة الدراسات العليا، حيث يظهر ضعفهم خلال المناقشات نتيجة اعتمادهم على أعمال جاهزة لا يمتلكون فهماً حقيقياً لها.
وتلفت الدهامات إلى أن هذا السلوك يعكس استهانة بقيمة البحث العلمي، الذي يُعد في الدول المتقدمة أساساً للتطور، إذ تُخصص له موازنات كبيرة وتُبنى عليه الابتكارات في مجالات متعددة، في حين يُنظر إليه محلياً من قبل بعض الطلبة كمتطلب شكلي يمكن إنجازه بأي وسيلة.
وتؤكد أن كتابة البحث تمثل عملية تعليمية متكاملة، تشمل اختيار المصادر وبناء الهيكلية العلمية وصياغة الأفكار واستخدام الأدوات البحثية، وهي مهارات لا يمكن اكتسابها من خلال شراء البحوث، ما ينعكس سلباً على قدرة الطالب في التحليل والمناقشة مستقبلاً.
وفي ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، ترى أنه يمكن أن يكون أداة مساعدة في تنظيم الأفكار والوصول إلى المصادر، شرط عدم الاعتماد عليه كبديل عن جهد الطالب، بل كوسيلة داعمة للعمل البحثي.
وتحذر من أن استمرار هذه الظاهرة يهدد جودة مخرجات التعليم ويضعف كفاءة الخريجين، ما قد يعيق قدرتهم على استكمال دراساتهم العليا أو الاندماج في سوق العمل.
من جانبه، يؤكد الأكاديمي حسين عواد نعمة أن ظاهرة شراء وتزوير البحوث تعود إلى أسباب متداخلة، من بينها ضعف الوعي بأهمية البحث العلمي، والنظر إليه كمتطلب للنجاح فقط، فضلاً عن الضغوط الدراسية وسهولة الوصول إلى المصادر، ما ساهم في ترسيخ هذه الممارسات.
ويضيف في حديثه لـ”المدى”، أن مكاتب إعداد وبيع البحوث لعبت دوراً خطيراً في تفاقم المشكلة، بعدما حوّلت العمل الأكاديمي إلى سلعة تُباع وتُشترى، ما أدى إلى انتشار بحوث مكررة وضعيفة من الناحية العلمية، وانعكس سلباً على جودة التعليم العالي ومصداقيته.
ويشدد نعمة على ضرورة اتخاذ إجراءات صارمة للحد من هذه الظاهرة، عبر تفعيل الرقابة الأكاديمية وتشديد العقوبات بحق المخالفين، وملاحقة هذه المكاتب قانونياً وإغلاقها، إلى جانب تعزيز ثقافة البحث العلمي لدى الطلبة منذ المراحل الأولى.

التعليقات معطلة.