عندما يجلس الكبار… يكون الصغار ضحيتهم

3

 

 

في السياسة الدولية، لا مكان للعواطف، ولا وجود لتحالفات أبدية قائمة على الوفاء أو المبادئ. العالم تحكمه المصالح، وحين تتعارض المصالح مع الحلفاء، يُضحّى بالحلفاء دون تردد. هذه هي القاعدة التي حكمت التاريخ، وما تزال تحكم الحاضر.

زيارة ترامب إلى الصين ، وما يتزامن معها من تصاعد الحديث عن إيران، ليست مجرد حركة دبلوماسية عابرة، بل مؤشر على أن ملفات كبرى تُبحث خلف الأبواب المغلقة، وأن الشرق الأوسط عاد مجددًا إلى قلب التفاهمات والصراعات الدولية.

في الظاهر يبدو المشهد وكأنه مواجهة أمريكية ـ إيرانية، لكن في العمق، فإن الصراع الحقيقي يدور بين واشنطن وبكين على شكل النظام الدولي المقبل، وعلى خرائط النفوذ والطاقة والممرات التجارية. أما إيران، فهي ليست سوى عقدة مركزية داخل هذا الاشتباك الكبير.

طهران بنت استراتيجيتها طوال السنوات الماضية على فكرة أن صعود الصين وروسيا سيمنحها مظلة حماية دولية في مواجهة الغرب. لكن القراءة الواقعية للمشهد تقول إن بكين، مهما توسعت مصالحها مع إيران، لن تذهب إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وحلف الناتو من أجل الدفاع عن النظام الإيراني.

الصين دولة براغماتية إلى أقصى الحدود. مشروعها الاقتصادي العالمي قائم على الاستقرار، والأسواق، والطاقة، والتجارة، وليس على خوض الحروب العقائدية أو المغامرات العسكرية. ولذلك فإن بكين، إذا حصلت على ضمانات أمريكية حقيقية تتعلق بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في إيران والشرق الأوسط، فلن تتردد في إعادة تموضعها السياسي، حتى لو كان الثمن ترك طهران تواجه مصيرها وحدها.

لا توجد مقارنة أصلًا بين خيارين:

إما الحفاظ على العلاقة مع إيران، أو تجنب صدام شامل مع أمريكا والناتو يهدد الاقتصاد الصيني ومشروعها العالمي. بالنسبة للصين، الحسابات محسومة سلفًا.

وهنا تكمن المعضلة الإيرانية الحقيقية.

فالقيادة الإيرانية ربما راهنت طويلًا على أن الشرق يتشكل كجبهة مضادة للغرب، وأن الصين وروسيا ستقفان معها حتى النهاية. لكن التجارب الكبرى تثبت أن الدول العظمى لا تدخل معارك وجودية من أجل حلفائها، بل تستخدم الحلفاء كورقة تفاوض حين تقتضي الحاجة.

في لحظات إعادة تشكيل العالم، تُباع الملفات الثقيلة على طاولات التفاوض الكبرى، وتتحول الشعارات إلى أرقام داخل معادلات المصالح.

أما العراق، فهو حاصل تحصيل لهذا الصراع كله. فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وتشابكاته السياسية والأمنية، سيكون أول المتأثرين بأي تغيير في وضع إيران، سواء عبر تسوية كبرى، أو مواجهة عسكرية، أو حتى عملية احتواء دولية طويلة الأمد.

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمالات الحرب، بل في أن المنطقة بأكملها تبدو مقبلة على مرحلة إعادة توزيع نفوذ، حيث تسعى القوى الكبرى إلى إنتاج شرق أوسط جديد أقل فوضى بالنسبة لمصالحها، وأكثر انضباطًا تجاه خرائط الطاقة والأمن.

وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تُسأل الدول الضعيفة عن رأيها، بل يُطلب منها التكيّف مع النتائج.

لهذا فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: هل ستقف الصين مع إيران؟

بل: ماذا ستفعل إيران حين تكتشف أن الكبار، حين يجلسون إلى الطاولة، لا يقاتلون من أجل أحد… بل يتفاوضون على الجميع؟

التعليقات معطلة.