غريتا أندريولي تعلق قصائدها على حبال الريح

1



“الأم / البحر الأبيض المتوسط” مجموعة شعرية بالإيطالية والعامية المغربية تغامر في استكشاف الضفتين

اندبندنت عربية

البحر الأبيض المتوسط فضاء جغرافياً وروحياً ووجدانياً (غيتي)

ملخص
الشاعرة الإيطالية غريتا أندريا أندريولي تخوض في البحر الأبيض المتوسط انطلاقاً من ضفتيه، في رحلة تبدو متعاكسة أحياناً، ومتقاطعة أحياناً أخرى، ومتوائمة دائماً

هل يمكن الانتماء إلى البحر؟ أن نتخذه هوية دالة؟ أو أن يصبح بمثابة الأم التي تلد وتحضن وتمنح؟

تبدو هذه الأسئلة وكأنها مفاتيح لتجربة تخوض مغامرة التجديف بين الأمواج، بحثاً عن الأنا والآخر، قبل محاولة اكتشاف الجغرافيا. هي تجربة شعرية في مبتدئها ومنتهاها، وهو ما فعلته الشاعرة الإيطالية الشابة غريتا أندريا أندريولي Greta Andrea Andreoli، في مجموعتها الشعرية Ma(d)Re Mediterraneo، وهو عنوان يمكن ترجمته بالتالي: “الأم / البحر الأبيض المتوسط”، الصدرة عن دار: casa Editrice Serena.

ماديرا1.jpg
غلاف المجموعة الشعرية (دار casa Editrice Serena)
غريتا تخوض في البحر الأبيض المتوسط انطلاقاً من ضفتيه، في رحلة تبدو متعاكسة أحياناً، ومتقاطعة أحياناً أخرى، ومتوائمة دائماً، إذ تستكشف الشاعرة في مجموعتها البحر الأبيض المتوسط بوصفه فضاء جغرافياً من جهة، وفضاء روحياً ووجدانياً من جهة أخرى. وفي قلب هذا العمل تنبض مواضيع الحنين والغربة وتشظيات الذات، إلى جانب الحب والغياب والفقد والولادة، واكتشاف النفس في الأماكن التي لم يكن المرء يتوقع العثور عليها فيها.

اللافت في هذا العمل الشعري هو ثنائية لغته، إذ ترجمت نصوصه (الإيطالية) كاملة إلى العربية المغربية الدارجة، وعن ذلك تقول غريتا أندريا أندريولي إن اختيار الدارجة المغربية، نضج بدلاً من العربية الفصحى التي تعد لغة الشعر التقليدية حتى لدى الشعراء المغاربة أنفسهم، “خلال إقامتي في مدينة أصيلة الساحلية أثناء موسمها الثقافي السنوي. فالدارجة، بوصفها لغة الحياة اليومية والحميمية الأسرية، تمتلك مباشرة وعفوية خاصتين، وتجمع بين حسية اللغة الشفوية المغاربية وثرائها، وبين الدقة والرهافة الشعرية اللتين تتميز بهما الإيطالية”.

greta.jpeg
الشاعرة غريتا أندريا أندريولي (فيسبوك)
ويكرس هذا الاختيار الصلة الوجدانية العميقة التي تربط الشاعرة بالمغرب، إذ تنطلق في مساءلة هويتها الخاصة، متنقلة بين شعور بأنها أحياناً “بلا جنسية” و”بلا أرض”، وصولاً إلى احتضان بحر كامل بوصفه وطناً لها.

تكشف قصائد المجموعة عن هوية متشظية، تتوزع بين صور متعددة للذات وعبر ضفاف المتوسط المختلفة. ويغدو البحر هنا عدسة لرؤية مدن متباينة ومتآلفة في آن واحد، ضمن رحلة فردية تمر بمحطات مثل مرسيليا وطنجة وإشبيلية وسيراكوزا. كما تستكشف المجموعة جسداً متحولاً وسيالاً بقدر سيولة الهوية نفسها، ففيه يختفي القفص الصدري ليفسح المجال لقلب يمشي، ولعظام تتحول إلى رمال شمال أفريقيا.

اقرأ المزيد

شعراء من المغرب العربي يتوحدون في “عسل الأرض”

أول مجموعة شعرية عربية أمام اختبار الذكاء الاصطناعي
كذلك يكتسب المعجم النباتي أبعاداً جسدية وحسية، فالشفاه تصبح “فتحات التين”، والقبلات تلتمس في لب الليمون، فيما تقشر الأحلام كما تفصل فصوص اليوسفي. ومن لحظة التقاء البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي في الرميلات، إلى التجوال في شوارع ميلانو، وصولاً إلى صمت سيارات الأجرة المتجهة نحو المطار، تواصل هذه القصائد مساءلة أسرار الولادة والرحيل، والبحث عن إله أو وطن أو لغة، أو ربما عن بيت داخلي يمكن للروح أن تسكنه .

وفي نهاية المطاف، تبدو قصائد “الأم / البحر الأبيض المتوسط”، أشبه بغسيل للروح تعلقه الريح على حبالها، شهادة على أن الشعر قد يتقيح تحت الجلد إذا لم يطهر ويحرر ويمنح القدرة على تضميد العالم، وشفاء الطفولة معه.

التعليقات معطلة.