غزة بين الإعمار والسياسة: الدور السعودي وحدود التحول الدولي

5

خالد محمد باطرفي

تعود غزَّة إلى واجهة الاهتمام الدوليِّ، لا بوصفِها ساحة حرب فحسب، بل كاختبارٍ حقيقيٍّ لقدرة النِّظامَين الإقليميِّ والدوليِّ على الانتقال من إدارة الأزمات، إلى صناعة الحلول.

وفي هذا السِّياق، تبرزُ المشاركة السعوديَّة في الاجتماع الوزاريِّ المنعقد على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسيِّ 2026، بوصفِها مؤشِّرًا على مقاربةٍ مختلفةٍ، تتعامل مع الملفِّ من زاويةٍ شاملةٍ: إنسانيَّة وسياسيَّة وتنمويَّة في آنٍ واحدٍ.

المملكة لا تنظر إلى إعادة إعمار غزَّة، باعتبارها مشروعًا هندسيًّا، أو ماليًّا، بل كجزءٍ من معادلة أوسع تتعلَّق بإعادة بناء الاستقرار نفسه. فالتجارب السَّابقة أثبتت أنَّ ضخَّ الأموال في بيئةٍ غير مستقرَّة سياسيًّا وأمنيًّا لا يؤدِّي إلَّا إلى إعادة إنتاج الدَّمار. ومن هنا، يتأسَّس الدَّور السعودي على ثلاثة محاور متكاملةٍ: الإغاثة العاجلة؛ لتخفيف المعاناة الإنسانيَّة، وإعادة الإعمار، وفق آليَّات مؤسسيَّة شفَّافة، والدَّفع نحو مسارٍ سياسيٍّ يضمنُ عدم تكرار الانهيار.

في البُعد الإنسانيِّ، تمتلك المملكةُ خبرةً متراكمةً في إدارة الأزمات، وتقديم الدَّعم السَّريع، لكنَّها تدركُ -في الوقت ذاته- أنَّ الإغاثة وحدَها لا تكفي. لذلك تسعَى إلى تحويل الاستجابة الإنسانيَّة، إلى مدخل لمرحلة “التَّعافي المبكِّر”؛ تمهيدًا لإعادة بناء البنية التحتيَّة، والخدمات الأساسيَّة، بما يتيحُ عودة الحياة المدنيَّة تدريجيًّا. غير أنَّ هذا المسار يظلُّ مشروطًا ببيئةٍ ميدانيَّةٍ مستقرَّةٍ، وهو ما يضع مسألة وقف إطلاق النَّار في صُلب أيِّ جهدٍ جادٍّ.

أمَّا على مستوى إعادة الإعمار، فإنَّ التحدِّي الأكبر لا يكمنُ في توفير التَّمويل، بل في ضمان حُسن إدارتِهِ. وهنا يمكنُ للدور السعودي أنْ يكونَ حاسمًا، عبر الدَّفع نحو إنشاء أُطرٍ رقابيَّة واضحةٍ، وصناديق تمويل منظَّمة، تضمنُ توجيه الموارد نحو أولويَّات حقيقيَّة، بعيدًا عن الهدرِ أو التَّسييسِ. كما أنَّ المملكة، بحكم ثقلها السياسيِّ والاقتصاديِّ، قادرةٌ على حشد دعم عربيٍّ وإسلاميٍّ ودوليٍّ، وتحويل التَّعهُّدات إلى التزاماتٍ قابلة للتَّنفيذ.

المشاركة السعوديَّة في الاجتماع الوزاريِّ الأخير تحمل دلالاتٍ تتجاوز البُعد الإجرائي. فهي تعكس رغبةً واضحةً في إبقاء ملفِّ غزَّة حاضرًا في المحافل الدوليَّة، وعدم تركه رهينةَ ردودِ الفعلِ، أو الحسابات الضيِّقة. كما تشيرُ إلى انتقالٍ نسبيٍّ في طبيعة النِّقاش الدوليِّ، من التركيز على المساعدات الطَّارئة، إلى بحث قضايا أكثر تعقيدًا، مثل “اليوم التالي للحرب”، وآليَّات التَّعافي، وإعادة البناء. ومع ذلك، فإنَّ هذا التحوُّل لا يزال في طور التشكُّل، ويظل مرهونًا بمدى قدرة المجتمع الدوليِّ على ترجمة النِّقاشات إلى خطواتٍ عمليَّةٍ.

التجارب السَّابقة في إعادة إعمار غزَّة تقدِّم دروسًا لا يمكنُ تجاهلها. فقد تعثَّرت العديد من المبادرات؛ بسبب غياب الاستقرار الأمنيِّ، والانقسامِ السياسيِّ الفلسطينيِّ، وافتقار آليَّات التَّنفيذ إلى الفعاليَّة. ومن هنا، فإنَّ تجنُّب تكرار هذه الإخفاقات، يتطلَّب جملةً من الشروط، في مقدِّمتها وقفٌ مُستدامٌ لإطلاقِ النَّار، ووجودُ مرجعيَّةٍ فلسطينيَّةٍ موحَّدةٍ، وإطار حوكمة واضح لإدارة الأموال والمشروعات، إلى جانب ضمانات دوليَّة تمنعُ تعطيل عمليَّة الإعمار، أو استخدامها كورقةِ ضغطٍ.

الرَّبطُ بين المسار الإنسانيِّ العاجل، والمسار السياسيِّ طويل الأمد، يمثِّل التحدِّي الأهم. فالإغاثةُ تعالج النتائج، بينما يعالجُ المسارُ السياسيُّ الأسبابَ. وإذا لم يتم الجمع بينهما ضمن رُؤيةٍ متكاملةٍ، فإنَّ أيَّ إنجازٍ ميدانيٍّ سيظلُّ هشًّا وقابلًا للانهيار. من هنا، تبرزُ أهميَّة الدَّفع نحو أفقٍ سياسيٍّ واضحٍ يُعيد الاعتبارَ لحلٍّ عادلٍ ودائمٍ، ويضمنُ وحدةَ الأراضِي الفلسطينيَّة، ويمنع العودة إلى دوَّامة العُنفِ.

في هذا الإطار، تلعبُ الدولُ الإقليميَّة أدوارًا متفاوتةً. فهناك أطرافٌ تدفع باتِّجاه الاستقرار، وتمويل الإعمار، وأُخْرى تمارسُ دورَ الوسيط، فيما تسعَى قوى ثالثة إلى استثمارِ استمرارِ الأزمة؛ لتحقيق مكاسب سياسيَّة، أو أمنيَّة.

نجاح جهود إعادة الإعمار، سيتوقَّف -إلى حدٍّ كبيرٍ- على قدرة القوى الدَّاعمة للاستقرار، على تحييد العوامل المُعطِّلة، وخلق حدٍّ أدنَى من التَّوافق الإقليميِّ حول ضرورة إنهاء حالة الفوضَى.

في المحصِّلة، يمكن القولُ إنَّ المقاربة السعوديَّة تقومُ على معادلةٍ واضحةٍ: لا إعادة إعمار بلا استقرارٍ، ولا استقرار بلا مسارٍ سياسيٍّ، ولا مسار سياسي قابل للحياة دون معالجة إنسانيَّة عاجلة. هذه المعادلة، إذا ما وجدت دعمًا دوليًّا وإقليميًّا حقيقيًّا، يمكن أنْ تحوِّل ملفَّ غزَّة من ساحة لإدارة الأزمات المتكرِّرة، إلى نموذج لإعادة البناء المُستدام. أمَّا إذا بقيت الجهود حبيسة البيانات والاجتماعات، فإنَّ التاريخ القريب يرجِّح أنْ تتكرَّر الحلقة ذاتها، بكل ما تحمله من كلفة إنسانيَّة وسياسيَّة.

التعليقات معطلة.