قصص (المدى) في عامها الـ23..من “تفكيك الفصائل” إلى “حصار الزيدي”!

1


لاحقت “موت إجماع الإطار” وخروج المالكي

بغداد/ تميم الحسن

على مدى عامٍ، لاحقت (المدى) واحدة من أكثر مراحل السياسة العراقية اضطراباً، بدأت بسؤال عن مستقبل الحشد والفصائل المسلحة، وانتهت بصراع مفتوح حول السلاح والحكومة وموقع العراق بين واشنطن وطهران.
ومنذ آب 2025، حين فتحت (المدى) ملف “حل الحشد” واتفاق أميركي قديم لم ينفذ، أخذت التقارير تتبع مساراً متشابكاً لم يعد فيه السلاح ملفاً أمنياً منفصلاً عن السياسة، بل تحول إلى مدخل لتغيير شكل التحالفات، واختيار رئيس الحكومة.
وفي هذا العام، ظهرت خمس قصص كبرى تداخلت في ما بينها: الفصائل والسلاح، وانقسام البيت الشيعي، وصراع واشنطن وطهران على العراق، ومعركة رئاسة الحكومة، ثم صعود علي الزيدي إلى واجهة المواجهة مع الفصائل والفاسدين.
من “حل الحشد” إلى سؤال: من يملك السلاح؟
كانت البداية مع ملف الحشد الشعبي. ففي 6 آب 2025، فتحت (المدى) ملفاً عن اتفاق أميركي قديم يتحدث عن حل الحشد، في وقت كانت بغداد تنفي وجود طلب مباشر بهذا الاتجاه، بينما كان قانون هيئة الحشد الشعبي يقترب من أن يصبح عنواناً لصراع أكبر بين الحكومة والفصائل وواشنطن.
ومع مرور الأشهر، لم يعد السؤال هو: هل سيحل الحشد؟ تحول السؤال إلى: هل يمكن أن يبقى الحشد بالشكل نفسه، أم أن المطلوب هو إعادة ترتيب موقعه داخل الدولة؟
كشفت التقارير اللاحقة أن المشكلة لا تتعلق بكل قوات الحشد، بل بالفصائل التي تحتفظ بقرار وسلاح مستقلين، رغم وجودها القانوني داخل الهيئة.
وكانت حادثة دائرة الزراعة في بغداد واحدة من اللحظات التي كشفت هذا الالتباس، عندما ظهر خلاف حول هوية الجهة المسلحة المتورطة بالاشتباك، وهل هي “فصيل” أم “قوة من الحشد”.
وأظهرت تلك الحادثة أن الدولة نفسها لا تزال تواجه مشكلة في الفصل بين المؤسسة الرسمية والجماعات التي تعمل داخلها.
وبالتزامن، بدأت واشنطن تضغط بصورة تدريجية عبر عقوبات مالية، وتحذيرات من تمويل بعض المؤسسات، ثم اعتراضات على قانون الحشد، باعتبار أن تمريره بالشكل المقترح قد يكرس نفوذ الفصائل المرتبطة بإيران.
ومع اقتراب الانتخابات الأخيرة، انتقل جزء من الفصائل إلى العمل السياسي المباشر، ودخلت جماعات مسلحة بقوائم انتخابية، في محاولة لتحويل القوة العسكرية إلى نفوذ برلماني وحكومي.
لكن مع صعود ملف نزع السلاح في 2026، انقلبت المعادلة، ولم تعد الفصائل تسأل فقط عن حصتها في الدولة، بل أصبحت تسأل: هل تستطيع الاحتفاظ بالسلاح خارج قرار الحكومة؟
الإطار.. من تحالف شيعي إلى خرائط متنافسة
القصة الثانية كانت داخل البيت الشيعي نفسه. ففي بداية 2025، بدا “الإطار التنسيقي” قادراً على إدارة خلافاته تحت سقف واحد، لكن الانتخابات الأخيرة التي جرت في تشرين الثاني من ذلك العام، كشفت أن الوحدة بدأت تتآكل.
جاء قرار محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، خوض الانتخابات بقائمة منفصلة، ليكون إحدى أولى علامات الانقسام.
وبدلاً من دخول الانتخابات بتحالف شيعي موحد، ظهرت خرائط متعددة، وتحولت القوى المنضوية في الإطار إلى قوائم متنافسة.
كان نوري المالكي يقود قوائم في أكثر من محافظة، فيما ظهر السوداني مع “الإعمار والتنمية”، ودخلت قوى أخرى بقوائمها الخاصة، بينما اتجهت الفصائل إلى بناء أذرع انتخابية مباشرة.
وفي بغداد، لم يعد التنافس مقتصراً على الأحزاب التقليدية، بل تحول إلى معركة على من يحتل “المركز الأول” داخل البيئة الشيعية.
ومع غياب التيار الصدري عن الانتخابات، أصبحت كتلة الناخبين الصدريين ورقة في الحسابات.
حاولت قوى شيعية معرفة شروط مقتدى الصدر للعودة أو دعم قائمة معينة، لكن الصدر تمسك بموقفه من مقاطعة الانتخابات، ووضع شروطاً تتعلق بحل المليشيات ومكافحة الفساد.
وظهرت مفارقة جديدة، في أن التحالف الشيعي الذي كان يخشى عودة الصدر، أصبح يبحث عن جزء من جمهوره الانتخابي المقاطع.
ثم انتقلت الخلافات من الانتخابات إلى تشكيل الحكومة، في وقت لم يعد فيه “الإطار” كتلة واحدة تبحث عن مرشح واحد، بل تحول إلى مجموعة قوى تبحث كل منها عن موقعها في الحكومة المقبلة.
وفي ربيع 2026، ظهرت بوضوح فكرة “نهاية الإجماع” داخل البيت الشيعي، والانتقال من قاعدة التوافق إلى البحث عن الأغلبية.
واشنطن وطهران.. العراق بين “الإشارة” الإيرانية والضغط الأميركي
القصة الثالثة التي رافقت معظم تقارير (المدى) في عامها الـ23، كانت الصراع الأميركي-الإيراني على العراق، وكيف تحولت البلاد تدريجياً من طرف يحاول البقاء خارج المواجهة إلى ساحة تتقاطع فيها رسائل الطرفين، وتتحول فيها الفصائل المسلحة إلى إحدى أهم أدوات الضغط المتبادل.
لم يكن العراق، في هذه المرحلة، طرفاً معلناً في الحرب، لكنه لم يكن بعيداً عنها أيضاً.
فمع اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل في حزيران 2025، عادت بغداد إلى الاختبار القديم: كيف تمنع انتقال الحرب إلى أراضيها، بينما توجد جماعات مسلحة داخل البلاد تعتبر نفسها جزءاً من المحور الإيراني؟
كانت الفصائل تراقب تطورات المواجهة، وتطلق تهديدات بالتدخل، لكنها في الوقت نفسه أبقت قرارها النهائي معلقاً، وتحدثت عن انتظار “إشارة” من المرشد الإيراني علي خامنئي.
وبحسب ما تابعته (المدى)، كانت تلك واحدة من أكثر اللحظات حساسية بالنسبة للحكومة العراقية، لأن أي تحرك عسكري من أراضيها كان يمكن أن يضع بغداد مباشرة في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، ويهدد، في الوقت نفسه، بإعادة العراق إلى دائرة الضربات الأميركية.
لكن الحرب انتهت من دون دخول العراق رسمياً إليها، ولم تنتهِ معها الأزمة.
ففي ليلة وقف إطلاق النار، تعرضت مواقع عسكرية عراقية لهجمات بطائرات مسيرة، فيما اتهمت الفصائل بغداد باستخدام راداراتها العسكرية في اعتراض الصواريخ الإيرانية المتجهة إلى إسرائيل.
لم تثبت هذه الاتهامات رسمياً، لكن الحكومة فتحت تحقيقاً بالهجمات، قبل أن تظهر لاحقاً معلومات عن أن الجهات التحقيقية لم تكن قد وصلت إلى هوية نهائية للمنفذين.
وبعدها انتقلت الهجمات إلى جبهة أخرى، وهي استهداف منشآت الطاقة في إقليم كردستان، حيث تعرضت لسلسلة هجمات بطائرات مسيرة، تسببت في إجلاء شركات أجنبية وتقليص الإنتاج، فيما كانت بغداد تفتح تحقيقاً جديداً من دون إعلان نتائج حاسمة.
واشنطن تبدأ من المال
لم تنتظر الولايات المتحدة أن تتحول الفصائل إلى طرف معلن في الحرب، وبدأ الضغط من مكان آخر، وهو: “المال”.
تابعت (المدى) تدرج العقوبات الأميركية على مؤسسات وأشخاص مرتبطين بالفصائل، ومحاولات منع المؤسسات المالية من تمويل جهات ترى واشنطن أنها جزء من النفوذ الإيراني في العراق.
ثم انتقل الضغط إلى قانون الحشد. وكانت واشنطن تنظر إلى القانون المقترح باعتباره أكثر من مجرد تنظيم إداري لمؤسسة عسكرية، إذ اعتبرت أن تمريره بالشكل المطروح يمكن أن يؤدي إلى ترسيخ نفوذ الفصائل المرتبطة بإيران داخل الدولة.
وفي المقابل، وجدت القوى الشيعية نفسها أمام معادلة غير مريحة، فتمرير القانون يعني تحدي واشنطن، بينما التراجع عنه قد يبدو وكأنه استجابة للضغط الأميركي.
وبحسب ما كشفته تقارير (المدى)، بدأت القوى الشيعية تتراجع عن تمرير القانون خشية غضب الولايات المتحدة.
وهنا اتسع معنى الصراع، ولم تعد واشنطن تطالب بغداد فقط بمنع الهجمات على المصالح الأميركية، بل بدأت تضغط على مصادر القوة التي تسمح للفصائل بالبقاء مستقلة عن القرار الحكومي.
المالكي.. من العودة إلى الخروج من السباق
القصة الرابعة كانت معركة رئاسة الحكومة، حيث بدأت الأسماء بالظهور بعد انتخابات 2025، لكن نوري المالكي كان الاسم الأكثر إثارة للجدل.
عودة المالكي إلى المنافسة أعادت إلى الواجهة سؤال العلاقة مع واشنطن، وموقف الفصائل، وموقف طهران، وموقف بقية قوى الإطار.
وبدا لفترة أن المالكي يمتلك طريقاً للعودة، مستفيداً من خبرته السياسية وشبكة تحالفاته داخل البيت الشيعي. لكن الاعتراضات أخذت تتراكم.
بعض القوى الشيعية خشيت من عودة الاستقطاب القديم، بينما لم تكن واشنطن راغبة بعودة شخصية تنظر إليها باعتبارها قريبة من طهران.
ومع استمرار الأزمة، بدأت فكرة المرشح البديل تظهر، ثم جاءت الاجتماعات المغلقة داخل الإطار لتكشف حجم الانقسام.
وبحسب المعلومات التي نشرتها (المدى)، وافقت أغلبية من قيادات الإطار على سحب ترشيح المالكي وإبلاغه وإبلاغ واشنطن، قبل أن يرفض الأخير القرار.
ثم بدأ البحث عن شخصية جديدة تستطيع الجمع بين شروط متناقضة.
الزيدي.. رجل التسوية الذي دخل معركة السلاح
القصة الخامسة والأحدث كانت صعود علي الزيدي. ففي البداية، ظهر الزيدي بوصفه نتيجة لتسوية سياسية، لكن موقعه تغير مع الوقت.
فالحكومة الجديدة وجدت نفسها أمام الملفات نفسها التي كانت تؤجلها الحكومات السابقة: السلاح، والفصائل، والعلاقة مع واشنطن، والنفوذ الإيراني، والفساد.
لكن الزيدي اختار أن يقترب أكثر من واشنطن، وجاءت زيارته إلى الولايات المتحدة في تموز الماضي، لتفتح مرحلة جديدة.
استقبال ترامب له ووصفه بـ”البطل” تحولا داخل العراق إلى رسالة سياسية أكثر من كونه تفصيلاً بروتوكولياً.
الفصائل قرأت الزيارة باعتبارها اقتراباً حكومياً من الموقف الأميركي، والقوى السياسية داخل الإطار بدأت تسأل عن حدود ما تعهد به الزيدي.
ثم جاء ملف حصر السلاح، ولم يعد الزيدي يتحدث عن ضرورة “تنظيم” السلاح فقط، بل عن إجراءات فعلية لإخضاع الفصائل لقرار الدولة.
وبالمقابل، بدأت الفصائل باستخدام أدوات سياسية وأمنية وإعلامية لإرباك الحكومة.
ظهرت تهديدات، وتحذيرات، وتسريبات، وبدأ الحديث عن احتمال استهداف الحكومة أو دفع رئيسها إلى الاستقالة.
وفي الوقت نفسه، فتح الزيدي ملفات الفساد، وبدأت الحكومة تتحرك ضد شخصيات وشبكات مرتبطة بمراكز نفوذ قديمة.
وهكذا اجتمعت أمام رئيس الوزراء ثلاث معارك في وقت واحد: معركة السلاح، ومعركة الفساد، ومعركة العلاقة مع واشنطن.
وكل واحدة منها قادرة على إسقاط التسوية السياسية التي أوصلته إلى المنصب.

التعليقات معطلة.