كيف قادت سلطة بورتسودان السودان إلى حافة الانهيار؟

1



سكاي نيوز عربية – أبوظبي

لا يمكن فصل التراجع الحاد في قيمة الجنيه عن استمرار الحرب

واصلت العملة السودانية انهيارها التاريخي بعدما تجاوز سعر الدولار الأميركي 6 آلاف جنيه في السوق الموازية، في أحدث مؤشر على التدهور المتسارع للاقتصاد في المناطق الخاضعة لسلطة بورتسودان، وسط تصاعد معدلات التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

وجاء الانخفاض الجديد متزامنا مع قرار السلطات رفع سعر الدولار الجمركي، في خطوة يتوقع خبراء أن تؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع المستوردة، في وقت يعتمد فيه السودان بصورة شبه كاملة على الواردات لتوفير الغذاء والوقود والأدوية والمواد الخام.

ويرى اقتصاديون أن التراجع الحاد في قيمة الجنيه لا يمكن فصله عن استمرار الحرب، التي دخلت عامها الرابع، بعدما تحولت إلى أكبر مستنزف لموارد الدولة، مع توجيه الجزء الأكبر من الإيرادات المحدودة إلى الإنفاق العسكري وتمويل العمليات القتالية، على حساب الخدمات الأساسية والاستثمار والإنتاج.

كما أدى استمرار القتال إلى انهيار قطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي، وتعطل آلاف المصانع والمنشآت، وتراجع الصادرات غير النفطية، وانخفاض تدفقات النقد الأجنبي، في وقت ارتفع فيه الطلب على العملات الأجنبية لتمويل الواردات، الأمر الذي وسّع الفجوة بين العرض والطلب ودفع الجنيه إلى مستويات غير مسبوقة.

ويشير محللون إلى أن الأزمة الاقتصادية تفاقمت أيضا نتيجة هيمنة المؤسسات العسكرية والأمنية والشركات التابعة لها على قطاعات استراتيجية، تشمل التعدين والتجارة والنقل وبعض الأنشطة الصناعية، وهو ما حد من المنافسة، وأضعف القطاع الخاص، وأبعد الاستثمارات المحلية والأجنبية في ظل غياب الشفافية والرقابة.

ويضاف إلى ذلك استمرار شبكات تهريب الذهب والسلع الاستراتيجية عبر الحدود، ما يحرم الخزانة العامة من أحد أهم مصادر النقد الأجنبي والإيرادات الضريبية، بينما تتجه كميات كبيرة من الذهب إلى أسواق خارجية بعيدا عن القنوات الرسمية، في وقت تواجه فيه الدولة عجزا متزايدا في تمويل الواردات وسداد الالتزامات الأساسية. وتشير تقارير دولية إلى أن الحرب عمّقت التجارة غير المشروعة ووسعت الاقتصاد الموازي على حساب الاقتصاد الرسمي.

ويرى مراقبون أن استمرار نفوذ شبكات الفساد المرتبطة بعناصر من النظام السابق، إلى جانب المؤسسات العسكرية وشركاتها، أعاق تنفيذ إصلاحات اقتصادية وهيكلية كان يمكن أن تحد من التدهور، في ظل انهيار الدولة وغياب موازنة عامة مستقرة، وتراجع الإيرادات الضريبية، وانهيار الثقة في النظام المصرفي.

كما أسهمت الحرب في تقليص حركة التجارة الخارجية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتراجع الاستثمارات، فضلا عن نزوح ملايين المواطنين من مناطق الإنتاج الزراعي والصناعي، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حجم المعروض من السلع ورفع معدلات التضخم.

وتحاول سلطات بورتسودان مواجهة الأزمة عبر إجراءات نقدية وجمركية متفرقة، من بينها رفع الدولار الجمركي، وفرض قيود على بعض الواردات، وإعفاء أنظمة الطاقة الشمسية من الرسوم الجمركية للتخفيف من أزمة الكهرباء، إلا أن خبراء يرون أن هذه الإجراءات تعالج النتائج أكثر من معالجتها للأسباب البنيوية للأزمة.

أخبار ذات صلة
هانا فوستر الرئيسة التنفيذية للمركز الإفريقي للديمقراطية
تأسيس ائتلاف حقوقي إفريقي واسع لدعم السلام في السودان
النهب يفضح عجز سلطة بورتسودان
فوضى السلاح في الخرطوم.. النهب يفضح عجز سلطة بورتسودان
ويؤكد اقتصاديون أن استقرار سعر الصرف لن يتحقق عبر الإجراءات الإدارية وحدها، ما دامت الحرب مستمرة وتستنزف الموارد العامة، بينما يتوسع الاقتصاد غير الرسمي، وتتراجع الصادرات، ويستمر تهريب الذهب، وتتقلص الثقة في المؤسسات المالية.

ويرى عدد من الاقتصاديين والمحللين السياسيين أن إنهاء الحرب يمثل الشرط الأساسي لوقف الانهيار الاقتصادي، إلا أنهم يشيرون إلى أن سلطة بورتسودان ما زالت ترفض معظم المبادرات الرامية إلى وقف إطلاق النار أو التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، في ظل نفوذ متزايد للجماعات الإسلامية المتحالفة مع الجيش، التي يعتبرها هؤلاء معرقلا رئيسيا لأي مسار سياسي قد يفضي إلى إنهاء الحرب واستعادة الحكم المدني.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا المسار قد يدفع الاقتصاد السوداني إلى مرحلة أكثر خطورة، مع تصاعد معدلات الفقر والجوع، واتساع الفجوة بين الدخول والأسعار، في وقت تصنف فيه الأمم المتحدة السودان بوصفه صاحب أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم، وسط عجز التمويل الإنساني عن مواكبة الاحتياجات المتزايدة.

ويخلص مراقبون إلى أن الأزمة الاقتصادية لم تعد مجرد أزمة عملة أو تضخم، بل أصبحت نتيجة مباشرة لاستمرار الحرب وهيمنة اقتصاد المؤسسة العسكرية وشبكات المصالح المرتبطة بها، واستنزاف الموارد العامة في الصرف الحربي، في وقت تتراجع فيه مؤسسات الدولة والإنتاج والاستثمار.

ويؤكدون أن أي تعاف اقتصادي حقيقي سيظل مستحيلا ما لم تتوقف الحرب، ويعاد توجيه موارد الدولة نحو الإنتاج والخدمات، وتخضع الأنشطة الاقتصادية للمؤسسة العسكرية والشركات المرتبطة بها لرقابة مدنية شفافة، ضمن عملية سياسية تنهي النزاع وتستعيد مؤسسات الدولة.

التعليقات معطلة.