للمرة الأولى الدولة تفاوض عن نفسها… هل يريد اللبنانيون السلام؟

1



كان لبنان طوال عقود “ملعباً” وساحةً للاشتباكات والصراعات الإقليمية بينما بقيت عواصم أخرى في المنطقة خارج المواجهة المباشرة

طوني بولس

إدراج الملف اللبناني ضمن أولويات واشنطن يحمل رسالة بإخراج لبنان من دائرة الصراعات بالوكالة (غيتي)

ملخص
يشكل انتقال ملف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى رعاية مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً إلى تحوّل استثنائي في موقع الدولة اللبنانية داخل معادلة القرار الإقليمي، إذ تفاوض بيروت للمرة الأولى باسمها لا عبر وكلاء أو وسطاء. غير أن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان السلام ممكناً، بل ما إذا كان مسموحاً إقليمياً. فلبنان كان طوال عقود ساحة للصراع العربي–الإسرائيلي لا طرفاً فيه، فيما قد يشكّل نجاح نموذج سلام لبناني فعّال اقتصادياً واستراتيجياً تحولاً يربك توازنات قائمة في المنطقة. لذلك تبدو المفاوضات الحالية اختباراً مزدوجاً: فرصة تاريخية لإنهاء دور لبنان كساحة مواجهة مفتوحة، وفي الوقت نفسه اختباراً لقدرة الدولة على حماية قرارها السيادي من محاولات التعطيل الإقليمي.

بصورة مفاجئة تحوّل ملف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى بند مركزي في جدول السياسة الأميركية تحت إشراف مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نقل مسار المفاوضات من مستوى اللقاءات التقنية والتمهيدية في وزارة الخارجية الأميركية إلى مستوى الرعاية الشخصية في البيت الأبيض، في خطوة سياسية غير مسبوقة تعكس قراراً واضحاً بوضع لبنان داخل مسار تفاوضي جديد يقود إلى تسوية تتجاوز حدود وقف إطلاق النار الموقت إلى أفق سلام محتمل مع إسرائيل.

هذا التحول يعكس إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الملف اللبناني خرج من يد التجاذبات الإقليمية التقليدية ودخل مباشرة تحت المظلة الأميركية، وأن واشنطن قررت التعامل مع الدولة اللبنانية باعتبارها الطرف الشرعي الوحيد المخوّل التفاوض باسم لبنان، لا عبر قنوات خلفية ولا عبر وسطاء محليين كما كان يحصل طوال العقود الماضية. والأكثر دلالة في هذا السياق هو الحديث المتزايد عن لقاء مرتقب بين رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو تطور لو حصل فعلاً سيشكّل لحظة سياسية مفصلية في تاريخ العلاقة بين البلدين منذ اتفاق الهدنة عام 1949.

فمنذ ذلك التاريخ، لم يخض لبنان الرسمي مواجهة مباشرة مع إسرائيل بصفته دولة ذات قرار سيادي مستقل، بل تحوّلت الأراضي اللبنانية تدرجاً إلى ساحة تستخدمها قوى إقليمية لتنفيذ حروبها الخاصة، في البداية كانت “منظمة التحرير الفلسطينية” التي أدارت صراعاً مفتوحاً مع إسرائيل من الجنوب اللبناني، وصولاً إلى الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982 وخروج ياسر عرفات إلى تونس. ثم لاحقاً دخل النظام السوري السابق بقيادة حافظ الأسد على خط إدارة الملف اللبناني – الإسرائيلي، قبل أن تنتقل هذه الوظيفة إلى إيران عبر “حزب الله”، الذي خاض بدوره سلسلة حروب ذات طابع إقليمي أكثر منها لبناني، فيما بقيت الدولة اللبنانية خارج طاولة القرار الفعلي.

في الواقع، لم يكن لبنان خلال العقود الماضية طرفاً في الصراع بقدر ما كان ملعبه، فلطالما تحوّلت القرى الجنوبية والمدن اللبنانية إلى ساحات اشتباك مفتوحة باسم شعارات كبرى رُفعت خارج حدوده، بينما كانت عواصم المنطقة تراقب المشهد من بعيد.

باسم العروبة تارةً، وباسم فلسطين تارةً أخرى، كان اللبنانيون يدفعون وحدهم ثمن المواجهة، وكانت أراضيهم وحدها تتحمل نتائج الحروب، فيما بقيت معظم الجبهات الأخرى مغلقة. لم يكن لبنان لاعباً في المبارزة، بل الأرض التي جرت عليها المبارزة نفسها.

حتى في المحطات التي بدت وكأنها تفاوض رسمي، كما حصل في ترسيم الحدود البحرية، كانت الدولة اللبنانية حاضرة شكلاً فيما القرار الحقيقي موزّع بين قنوات موازية تديرها قوى الأمر الواقع، وغالباً عبر وساطات غير مباشرة قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري، أو عبر ترتيبات أمنية انتهت إلى تفاهمات جزئية لا ترقى إلى مستوى اتفاق سياسي شامل. أما اليوم، وللمرة الأولى منذ قيام دولة لبنان الحديثة، تبدو الدولة اللبنانية نفسها الطرف المباشر في التفاوض، لا الغطاء الشكلي لقرارات تُصاغ خارج مؤسساتها.

إدراج دونالد ترمب الملف اللبناني ضمن أولويات السياسة الأميركية يحمل بدوره رسائل واضحة مفادها أن زمن إدارة الساحة اللبنانية بالوكالة يقترب من نهايته، وأن أي تدخل خارجي في هذا المسار لن يكون إلا ضمن تنسيق مباشر مع واشنطن، لا بهدف تعطيله بل لتسهيله. وهذا التحول يرتبط أيضاً بعوامل داخلية أميركية، إذ يسعى ترمب إلى تسجيل إنجاز سريع في ملف السلام في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد تعثّر مسارات أخرى أكثر تعقيداً، وفي مقدمها الملف الإيراني، مما يدفعه إلى إعادة إحياء مشروع الاتفاقات الإبراهيمية التي شكلت إحدى أبرز ركائز سياسته الخارجية خلال ولايته الأولى.

ولا يمكن تجاهل تأثير الحضور اللبناني داخل الدوائر الأميركية القريبة من الإدارة الحالية، سواء عبر شخصيات لبنانية – أميركية مؤثرة أو عبر شبكة علاقات سياسية واقتصادية تدفع باتجاه إدراج لبنان ضمن مسار التسويات الإقليمية الكبرى، وهو ما يفسر جزئياً هذا الزخم الأميركي المفاجئ حول الملف اللبناني تحديداً في هذه المرحلة.

لكن الأهم من كل ذلك هو أن هذا المسار يعيد طرح سؤال جوهري طالما جرى تجاهله عمداً: هل اللبنانيون يريدون السلام؟ والجواب، إذا ما قُرئ بعيداً من الشعارات الأيديولوجية ومن خطاب التعبئة العسكرية، يشير إلى أن المجتمع اللبناني لم يكن يوماً مجتمعاً قائماً على عقيدة صراع وجودي مع إسرائيل. بل على العكس، تُظهر معطيات تاريخية أن عشرات آلاف اللبنانيين، وصولاً إلى مئات الآلاف خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، دخلوا إلى إسرائيل لأغراض دينية وتجارية وسياحية في مراحل كانت الحدود فيها أكثر انفتاحاً قبل أن تتحول الساحة اللبنانية إلى قاعدة صراع إقليمي مفتوح بعد دخول منظمة التحرير الفلسطينية إليها. وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد اللبنانيين الذين زاروا إسرائيل خلال تلك المرحلة بلغ نحو 700 ألف زائر، في مؤشر واضح إلى أن العداء لم يكن يوماً خياراً مجتمعياً لبنانياً بقدر ما كان نتيجة مسارات سياسية وعسكرية فُرضت على البلاد لاحقاً.

اقرأ المزيد

نتنياهو يأمر الجيش الإسرائيلي بمهاجمة أهداف لـ “حزب الله” في لبنان بقوة

الاجتماعات اللبنانية – الإسرائيلية… مسار يتشكل أم مجرد صورة تسوق؟

ترمب لاعب مباشر في مفاوضات لبنان وإسرائيل
اليوم، ومع انتقال الملف إلى يد الدولة اللبنانية مباشرةً، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان السلام ممكناً، بل ما إذا كان مسموحاً له أن يتحقق. فنجاح نموذج لبناني قائم على الاستقرار والانفتاح الاقتصادي والتعاون الإقليمي قد يشكّل تحولاً استراتيجياً في المنطقة، وربما لهذا السبب تحديداً تنظر بعض القوى الإقليمية بحذر إلى احتمال نجاحه. فلبنان، بخلاف تجارب أخرى في المنطقة، يمتلك قابلية للتحول السريع إلى نموذج سلام اقتصادي فعّال، لا إلى سلام بارد محدود النتائج. فبينما استفادت دول مثل مصر والأردن من اتفاقات السلام في تثبيت الاستقرار وفتح مجالات تعاون اقتصادي، بقيت العلاقات الشعبية محدودة بفعل اعتبارات سياسية داخلية وإقليمية معقدة. أما في الحالة اللبنانية، فإن أي سلام محتمل قد يفتح الباب أمام تفاعلات اقتصادية واستثمارية واسعة، نظراً إلى طبيعة المجتمع اللبناني المنفتح ودوره التقليدي كجسر اقتصادي وثقافي في المنطقة.

ومن هنا تحديداً تأتي حساسية هذه اللحظة السياسية. فالمفاوضات الجارية لا تعني فقط احتمال إنهاء حال العداء الرسمي بين لبنان وإسرائيل، بل تعني قبل ذلك إعادة تثبيت مفهوم الدولة اللبنانية نفسها كمرجعية وحيدة للقرار السيادي، بعد عقود طويلة من مصادرة هذا القرار لمصلحة قوى غير شرعية. ولهذا السبب تحديداً، فإن إدخال لبنان إلى مسار تفاوضي مباشر برعاية أميركية وعلى مستوى البيت الأبيض ليس مجرد تفصيل دبلوماسي، بل هو إعلان بداية مرحلة جديدة عنوانها أن الدولة تفاوض عن نفسها للمرة الأولى، وأن اللبنانيين بدأوا يستعيدون حقهم الطبيعي في تقرير مصيرهم بعد عقود طويلة كانوا خلالها ساحةً لحروب الآخرين لا طرفاً في قراراتها

التعليقات معطلة.